44909‏عدد رقم2009‏,نوفمبر20

حتي لا يتحول إلي مناسك لا روح فيها‏..‏
الحج إلي بيت الله الحرام‏..‏ الأهداف والمعاني

تحقيق‏:‏ محمد علي عنز
الحج رحلة إلي الله عز وجل‏..‏ فيها يجتمع المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها في صعيد واحد‏..‏ ولكنهم متباينون في الفضل والدرجات‏..‏ منهم من يعود بلا ذنوب كيوم ولدته أمه‏,‏ ومنهم من يرد حجه‏..‏ البعض يقصد حج بيت الله الحرام ولم يستعد نفسيا لهذه الرحلة‏..‏ يسافر ولا يعرف كيف تؤدي المناسك‏..‏ يذهب وهو يحمل حملا ثقيلا يريد أن يلقيه عن عاتقه‏..‏ يقطع الأميال ليتخلص من هذه الفريضة ويسقط عنه الفرض ويعود بلقب حاج‏..‏ فيؤدي المناسك بجسده وقلبه معلق بملذات الدنيا وشهواتها‏..‏ ولأن الفرصة قد لا تتكرر‏..‏

فلابد للإنسان أن يفرغ قلبه وعقله وكل كيانه لهذه الرحلة المباركة حتي يؤدي المناسك علي الوجه الذي يحبه الله ورسوله‏..‏ ولن يحدث ذلك إلا إذا استشعر الإنسان معاني وأسرار هذه الفريضة العظيمة حتي لا يتحول الحج إلي حركات لا روح لها ومناسك لا فائدة منها‏..‏ ويجب أن يستشعر الحاج منة الله وفضله عليه أن جعله من وفد الرحمن‏..‏ فيشكر الله علي هذه النعمة وهذا الشرف الذي لا يعرف قدره إلا من حرم حج بيت الله الحرام‏..‏ وفي هذا التحقيق سنحاول أن نتعرف علي معاني الحج وأسراره وكيف يستشعر الإنسان هذه المعاني بداية من عزمه الحج مرورا بكتابة الوصية وتوديع الأهل والأحباب ولبس ملابس الإحرام والطواف بالكعبة وحتي الوقوف بعرفة وطواف الوداع والعودة إلي الوطن؟‏..‏حتي يكتمل حجه ويعود صفحة بيضاء بلا ذنوب أو آثام‏:‏

الاستعداد النفسي
عندما يعزم الإنسان حج بيت الله الحرام عليه أن يهيئ نفسه قلبيا وروحيا لحكم وأسرار وفوائد هذه الرحلة المباركة‏..‏ هذا ما أكده الدكتور مصطفي مراد الأستاذ بكلية الدعوة جامعة الأزهر الذي قال‏:‏ الحج شوق وحب يحركان المشاعر‏..‏ فإذا اشتاق العبد إلي مجاورة بيت الله الحرام والوجود بين الركن والمقام والوصول إلي أعلي الدرجات فعليه أن يستعد لهذا اليوم من الآن‏..‏ فيعيش في أجواء الحج قبل السفر‏..‏ ويستشعر أنه ذاهب للقاء ربه فيطهر قلبه من الغل والحقد والكراهية والكبر والحسد ويفرغ قلبه وعقله من كل علائق الدنيا وزينتها‏,‏ ويتخير النفقة الحلال‏;‏ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبا‏,‏ ويقوم بسداد الديون فإن لم يستطع يستسمح أصحابها ويوكل من يقوم بسدادها‏,‏ ويكتب وصيته‏,‏ ويرافق صحبة صالحة تعينه علي طاعة الله‏,‏ ويبتغي بحجه وجه الله تعالي‏..‏

فلا يكون سمعة ولا رياء ولا من أجل الحصول علي لقب حاج‏,‏ ويتوب إلي الله توبة نصوحا ويقلع عن كل الذنوب والمعاصي ويعزم علي عدم العودة إليها‏,‏ فالحج المبرور يغفر الذنوب التي تتعلق بحق الله‏,‏ أما الذنوب التي تتعلق بحق العباد فلابد من الاستحلال والترضية وأداء الحقوق ورد المظالم‏..‏ فإن لم يفعل الإنسان ذلك مع قدرته عليه فإن الحج لن يخلصه من هذه الذنوب‏..‏ فإن عجز أن يتخلص من هذه المظالم وكان صادقا في ذلك وفعل ما يمكن فعله وسأل الله أن يرضي عنه خصومه ومن أساء إليهم ومن قصر في حقهم ومن أخذ أموالهم فإن الله سيرضي عنه هؤلاء يوم القيامة‏.‏

تعلم المناسك
يضيف الدكتور مصطفي مراد‏:‏ من الضروري أن يتعلم الإنسان مناسك الحج قبل السفر‏..‏ فكما استعد نفسيا وبالمال والزاد فعليه التزود بالعلم الذي يمكنه من أداء هذه الفريضة علي الوجه الذي يحبه الله ورسوله‏,‏ فقد لا تكرر الفرصة مرة أخري‏..‏ وهذا العلم ضروري وواجب لأن العبد يجب أن يتعلم أي عبادة قبل أن يدخل فيها فلا يصح للإنسان أن يصلي وهو لا يعلم أي شيء عن الصلاة وكذلك الحج‏..‏ لذلك فإن الإنسان يأثم إذا تهاون في تعلم أحكام هذه الفريضة وكان قادرا عليها‏..‏ فعدم التعلم مع القدرة دليل علي تهاون العبد في فرائض ربه‏..‏ ووسائل تعليم الحج الآن أصبحت سهلة وميسرة وليس هناك عذر لأحد حتي ولو كان كبير السن أو أميا يعجز عن القراءة والكتابة‏.‏

تعظيم شعائر الله
من الأشياء التي تعين الإنسان علي أداء نسك الحج بسهولة ويسر وتنفيذ للأوامر واجتناب للنواهي‏,‏ تعظيم شعائر الله‏..‏ هذا ما أكده الدكتور مصطفي مراد الذي قال‏:‏ تعظيم شعائر الله هو السر الأكبر الذي يرتكز عليه القرآن عندما يتكلم عن الحج ولذلك ذكر الله تعالي هذا المعني مرتين في سورة الحج فقال تعالي‏:(‏ ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه‏).(‏ الحج‏:30),‏ وقال تعالي‏:(‏ ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوي القلوب‏).(‏ الحج‏:32),‏ فلو علم الحاج قدر عظمة ربه ما عظم أحدا سواه‏..‏ ولو علم قدر جوده ما سأل أحدا غيره‏..‏ ولو علم قدر انتقامه وقهره وجبروته ما خاف من أحد إلا هو‏..‏ فإن ثبت هذا المعني في قلب الحاج نظر إلي أحكام هذه الفريضة وأسرارها وعظمها‏..‏ ومن ثم فلن يراه الله حيث نهاه ولا يفقده حيث أمره‏.‏

تذكر يوم القيامة
رحلة الحج من بدايتها إلي نهايتها تذكر كل عاقل بالرحلة إلي الدار الآخرة ووقوف العباد بين يدي الله عز وجل يوم القيامة‏..‏ ويجب علي الإنسان أن يستشعر هذا المعني في كل مكان يذهب إليه وفي كل لحظة تمر به لأنه حري به أن يزيد من خشوعه وخضوعه وانكساره لله عز وجل‏..‏ هذا ما أكده الدكتور محمد مختار جمعة الأستاذ بكلية الدراسات الإسلامية الذي قال‏:‏ يجب علي الإنسان أن يتذكر وهو في طريقه إلي حج بيت الله الحرام مشاهد يوم القيامة وما فيها من صعاب‏..‏ فقبل الشروع في السفر يبدأ الحاج بسداد الديون ورد المظالم وكتابة الوصية وكأنه يستعد ليوم الحساب‏..‏

وعندما يأتي وقت السفر يجب علي الإنسان أن يستشعر أنه اليوم يودع الأهل والأصحاب بأحسن الكلمات وأرق العبارات وغدا يودعهم بالرثاء إلي لقاء الله‏.‏ اليوم ينظر إليهم بحسرة علي الفراق‏,‏ وغدا ينظرون إليه بحزن علي فراش الموت‏..‏ اليوم تذرف عيناه بالدموع ويحزن للرحيل وغدا يبكون عليه ويودعونه إلي دار القرار ويقال له يومئذ يا ابن آدم رجعوا وتركوك و في التراب وضعوك وللحساب عرضوك ولو ظلوا معك ما نفعوك ولم يبق لك إلا أنا‏,‏ وأنا الحي الذي لا يموت‏.‏

وعند السفر يستهل الإنسان بالدعاء متوجها إلي ربه بقوله‏!‏ اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في المال والأهل والولد‏..‏ وعندها يتذكر أنه يستودع أهله اليوم أمانة بين يدي الله عز وجل إلي أن يعود وغدا عند سفره إلي الدار الآخرة سيتركهم وديعة عند الله وعلي الإنسان أن يتذكر قول الله تعالي‏:(‏ وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله‏).(‏ النساء‏:9).‏

ثم يأتي بعد ذلك وقت الاغتسال ولبس ملابس الإحرام والتجرد من المخيط وسائر علائق الدنيا‏..‏ فهي لحظة من أخص لحظات التجرد لله حيث يتخلص الإنسان من مظاهر الدنيا‏..‏ وعندها يتذكر أنه يخلع ملابسه بنفسه وبإرادته وغدا يجرد من ملابسه وهو علي فراش الموت‏..‏ اليوم يغتسل للحج وغدا يغسل‏..‏ اليوم يلبس ملابس الإحرام وغدا يلف في الكفن‏..‏ اليوم يجرد من متاع الدنيا وغدا يفارق الدنيا وزينتها‏..‏ اليوم يصلي وغدا يصلي عليه‏..‏ وعلي العاقل أن يراجع نفسه ويتجرد من الكبر والاختيال والتعلق بالدنيا ويتوب إلي الله ويرد الحقوق إلي أصحابها قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الندم‏.‏

ثم تأتي مناسك الحج ليتذكر في كل مظهر من مظاهرها وملمح من ملامحها باليوم الآخر حيث تجد كل إنسان مشغولا بحاله وبمناجاة ربه وطلب العفو والصفح وكأنه يقول‏:‏ يا رب نفسي نفسي وهو أشبه ما يكون بيوم الموقف العظيم يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه‏.‏

عرفة وأرض المحشر
يوم عرفة هو خير يوم طلعت عليه الشمس‏..‏ فهو أكثر يوم يعتق فيه الله العباد من النار‏..‏ هذا ما أكده الدكتور محمد مختار جمعة الذي قال‏:‏ في صبيحة يوم عرفة يتدافع الحجاج شعثا غبرا من كل حدب وصوب إلي عرفة محملين بالذنوب وكلهم أمل في رحمة الله وعفوه‏..‏ وعندها يتذكر الحاج يوم النفخة الثانية حيث ينفض الناس من قبورهم متوجهين إلي مكان المحشر العظيم وعندها يخرج الناس من قبورهم وعيونهم ذليلة من شدة الهول يتدافعون حفاة عراة غرلا‏(‏ أي غير مختونين‏)..‏ فعن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت‏:‏ قال رسول الله صلي الله عليه وسلم‏:(‏ يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا‏,‏ قالت‏:‏ يا رسول الله لله الرجال والنساء ينظر بعضهم إلي بعض ؟‏!‏ قال‏:‏ يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلي بعض‏).‏

وعندما يصل الحجاج إلي عرفة تجدهم واقفين في الشمس كل مشغول بحاله وبمناجاة ربه‏..‏ قلوبهم مليئة بالخشوع والإنابة والخضوع لله‏..‏ هذا يبكي وهذا يشتكي فاقته إلي الله وآخر يطلب العفو والصفح والعتق من النيران‏..‏ وعندها يتذكر يوم الحشر والناس واقفون في أرض المحشر في زحام شديد ليس للإنسان إلا موطأ قدمه والشمس تدنو من رءوس الخلائق ولا ظل يومئذ إلا ظل عرش الرحمن‏..‏ والناس يومئذ في عذاب وهم وغم وضيق وشدة‏..‏ويفيض العرق كل علي حسب استقامته في الدنيا منهم من بلغ العرق كعبيه ومنهم من بلغ شحم أذنيه ومنهم من كاد أن يغيب في عرقه‏.‏

وعندما توشك شمس يوم عرفة علي المغيب تجد الحجاج يتألمون حسرة علي الرحيل لا يدرون هل قبل الله حجهم أم لا؟‏..‏ فالناس في هذا اليوم ما بين مقبول مغفور له خارج من ذنبه كيوم ولدته أمه وهو من جد واجتهد وأخلص النية وأنفق من حلال‏..‏ وبين صنف آخر يرفع يده فيقول لبيك اللهم لبيك فيقال لها لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك‏,‏ وهؤلاء هم أهل الحسرة والندامة وعندها يتذكر حال الناس يوم اللقاء الأعظم ما بين مجبور مغفور له مرضي عنه يؤمر به إلي الجنة‏..‏ وعتل معتد أثيم من أهل الخزي والحسرة يأمر به إلي النار‏..‏ ففكر من أي الفريقين تريد أن تكون وأعد العدة لهذا اليوم قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الندم‏.‏

طاعة واستسلام
الاستسلام لأوامر الله وإيثار محبته ومرضاته علي رغبات النفس من أهم الأسباب التي تعين الإنسان علي أداء الحج بخشوع‏..‏ هذا ما أكده الدكتور محمد داود الأستاذ بجامعة قناة السويس الذي قال‏:‏ المتأمل لعبادة الحج يري أن من بين الدروس والعبر التي نتعلمها من هذه العبادة هو درس التسليم لله عز وجل ويبدأ ذلك من الإحرام حين يتخلي الإنسان امتثالا لأمر الله عن الزينة المباحة وعن متعة الزوجة الحلال طاعة لأمر الله ليتعلم المؤمن درس السيطرة علي النفس وعلي شهواتها وعلي نزواتها بدلا من أن تسيطر عليه شهواته ونزواته‏,‏ فكم من الناس يشتهي ولا يصبر عن شهوته الحرام ؟‏!‏ وكم من الناس من يتمني أن يكون طائعا ولا يقوي علي ذلك لضعف نفسه ؟‏!.‏

ويضيف‏:‏ يأتي الطواف حول الكعبة ليتعلم المؤمن درس الامتثال والسمع والطاعة لهدي الله دون جدل‏,‏ حسبنا في هذا موقف سيدنا عمر رضي الله عنه لما توجه ليستلم الحجر ويقبله قال‏:(‏ والله لولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك‏)‏ فالتعظيم إنما هو لله في الأصل ولأمر الله لنا‏,‏ ويظهر ذلك أننا في حين نقبل الحجر الأسود نرجم حجرا آخر في رمي الجمار‏,‏ وما ذلك إلا السمع والطاعة لأمر الله والاستجابة لهدي الله‏.‏ أيضا في الوقوف بعرفات تسليم لأمر الله حين يتخلي الناس وتسقط عنهم كل مظاهر التعالي والتفاخر إحياء لأمر واحد هو أمر الله عز وجل بالاستغفار والدعاء‏,‏

ثم يأتي المرور بالمزدلفة والمشعر الحرام والاجتهاد في ذكر الله عز وجل ويذكرنا ذلك برحلة الإنسان في الحياة وهو يتحول من منزل إلي منزل ومن عمر إلي عمر يقطع الأيام والسنين ليصل إلي لقاء الله عز وجل‏,‏ وينبغي للإنسان أن يملأ هذه الرحلة‏(‏ رحلة العمر‏)‏ بطاعة الله وذكره‏,‏ ثم تأتي أيام التشريق في مني وهي أيام ذكر ودعاء‏,‏ يتعلم منها العبد اغتنام الفرص ليتقرب إلي الله في كل لحظة من لحظات حياته‏.‏ ويضيف‏:‏ إذا ما أراد أن يختم الحاج رحلته كان منه طواف الوداع الذي يعلمنا التسليم لله من البدء إلي الختام وأن العبرة بالخواتيم وأن نجتهد في أن نختم أعمالنا بالأعمال الصالحة فإنما الأعمال بالخواتيم‏..‏ إنه درس التسليم لأمر الله سبحانه وتعالي كي يكون التسليم لأمر الله والمسارعة لمرضاة الله ليس في الحج فقط ولكن يصبح منهج حياة للمؤمن الصادق‏.‏

..‏ذل وانكسار
حتي يؤدي الإنسان فريضة الحج بحقها فلابد من إظهار التذلل والانكسار والافتقار لله عز وجل فالإنسان كلما أظهر انكساره كان إلي الله أقرب‏..‏ هذا ما أكده الدكتور حسن القصبي أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر الذي قال‏:‏ حتي يظهر الإنسان ذله وافتقاره لله عز وجل فعليه الإكثار من ذكر الله في كل الأوقات وعلي كل الأحوال‏..‏ فكلما كان الإنسان ذاكرا لله ازداد خشوعا وقربا من الله‏.‏

ويتجنب أذي الناس فلا يزاحم علي استلام الحجر الأسود امتثالا لقول رسول الله صلي الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه‏:(‏ يا عمر إنك رجل قوي لا تزاحم علي الحجر فتؤذي الضعيف إن وجدت خلوة فاستلمه وإلا فاستقبله وهلل وكبر‏),‏ ويكون في حاجة الحجاج قدر استطاعته فإن وجد ضعيفا أفسح له الطريق‏,‏ ويكون طيب الكلام طليق الوجه عند اللقاء بالناس‏,‏ ويقدم المساعدة إلي من يحتاج إليه في ذل وانكسار‏,‏ ولا يتكبر علي أحد مهما بلغ جاهه وماله‏)‏ فالحج يزيل الفوارق بين الناس فالكل سواسية لا فرق بين غني وفقير ولا كبير وصغير‏..‏ وبذلك يستحضر الإنسان قلبه أثناء الحج فيؤدي المناسك كما أرادها الله‏.‏

ويضيف‏:‏ الحج في كثير من مناسكه إظهار للتذلل والانكسار لله‏..‏ فعندما يرتدي الحاج ملابس الإحرام فهو بذلك يظهر ذله وافتقاره لله عز وجل‏..‏وبهذا اللبس تذوب الفوارق بين الناس‏..‏ كما أنه يمكث بملابس الإحرام أياما عديدة وقد يعتريها الاتساخ مظهرا تواضعه لله عز وجل‏..‏ والله سبحانه وتعالي يباهي ملائكته بهذا الموقف ففي الحديث يقول النبي صلي الله عليه وسلم‏:(‏ إن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء فيقول لهم‏:‏ أنظروا إلي عبادي جاءوني شعثا غبرا‏).‏ وتبرز أسمي معاني الانكسار والتذلل والخشوع لله سبحانه وتعالي عند قيام الحاج بحلق شعره متخليا عن مظهر من مظاهر الزينة‏.‏

..‏صبر واحتساب
تحمل مشاق مناسك الحج والصبر عليها واحتساب الأجر عند الله من الأسباب التي تعين الإنسان علي أداء الحج كما يحبه الله ورسوله‏..‏ هذا ما أكده الدكتور حسن القصبي الذي قال‏:‏ الحج عبادة من العبادات الشاقة التي تحتاج إلي عزيمة قوية وقلب حي‏..‏ فمناسك الحج كلها تحتاج إلي بذل مجهود كبير وذلك يتطلب صبرا ومثابرة سواء في الطواف والسعي والمبيت والنفرة ورمي الجمرات‏..‏ويجب علي الإنسان أن يصبر ويجاهد نفسه علي كل ما يواجهه من متاعب أثناء أداء المناسك فيصبر علي أذي الناس فلا يقابل الإساءة بمثلها فيتعامل مع الناس برفق ولين فإن الرفق أمر محبب في الإسلام يقول النبي صلي الله عليه وسلم‏(‏ إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله‏).‏

ويضيف‏:‏ يجب أن يعلم الإنسان أن الأجر علي قدر المشقة فكلما زادت المشقة زاد الأجر‏..‏ فإن النبي صلي الله عليه وسلم قال‏:(‏ ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذي ولا غم حتي الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه‏).‏ وأكد حرص كل مسلم علي أداء فريضة الحج في شبابه وقوته فإن النبي صلي الله عليه وسلم لفت أنظارنا إلي ذلك فقال‏:(‏ حجوا قبل ألا تحجوا‏)‏ ومعني الحديث حجوا في استطاعتكم وقوتكم قبل أن يمنعكم عذرا من الأعذار كمرض أو كبر‏,‏ فالمتعة كل المتعة أن يحج الإنسان وهو قوي البدن ويتمتع بأركان الحج فلا يجد مشقة في طواف ولا سعي ولا يعجزه مرض عن رمي‏.‏

تدريب علي الطاعة
الحج مدرسة إيمانية يتدرب الحاج فيها علي طاعة الله عز وجل‏..‏ هذا ما أكده الشيخ أحمد تركي إمام وخطيب مسجد النور بالعباسية الذي قال‏:‏ يجب علي الإنسان أن يستشعر أن هذه الرحلة المباركة تمرين علي طاعة الله في كل الأوقات‏..‏ فشعائر الحج تطهر المسلم من العادات السيئة وتسمو به نحو الكمال ونحو الأخلاق الحسنة‏..‏ فالإحرام مثلا يدرب المسلم عن التخلي عن كل ما ينهي الله عنه‏..‏ فعندما يحرم الحاج يتخلي عن مبيحات كثيرة كان يمارسها ويتخلي عن عادات سيئة كثيرة كان يفعلها‏..‏ فيترك المحرمات والخيلاء والكبر‏,‏ والطواف حول بيت الله الحرام يشعر الإنسان أنه يمشي في اتجاه الطاعة والاستسلام والخضوع لله عز وجل‏.‏

ويضيف‏:‏ السعي ما بين الصفا والمروة أيضا تدريب عملي علي سنة الأخذ بالأسباب هذه السنة التي لا يستطيع المسلم أن يصل إلي الله إلا بها‏,‏ ولا يستطيع أن يصل إلي أهدافه في حياته إلا من خلالها فأي عمل في الوجود يحتاج إلي سعي ويتذكر الحاج وهو يسعي بين الصفا والمروة طيف هذه المرأة المؤمنة هاجر ـ رضي الله عنها ـ وهي تعلم البشرية منهج الله في العبادة في الأخذ بالأسباب والتوكل علي الله والوثوق فيما عند الله أكثر مما عندها‏,‏ وعندما يرمي الجمرات فإنه يتدرب علي رجم جانب الشر في نفسه‏..‏ فيرجم الهوي والنفس الأمارة بالسوء والشيطان‏,‏ وأكد ضرورة محافظة الإنسان علي هذه الحالة الإيمانية وأن يتمسك بجانب الإيمان فيها‏,‏ وأن يثبت علي طاعة الله عز وجل في كل الأوقات‏.‏