 |
 |

في العيد .. كارت أحمر للتعصب
تحقيق ـ أمــاني مــاجــد لو كان أبو الطيب المتنبي بيننا لما احتاج لطرح سؤاله الشهير'عيد.. بأي حال عدت يا عيد.. بما مضي أم لأمر فيك تجديد' لأن إجابته لم تعد تحتاج لقدح زناد الفكر..
فالجديد كثير أيها الشاعر الكبير.. هوان وضعف.. بطالة وأمية.. احتلال.. وكبت للحريات.. تمزق في كل اتجاه.. أمراض بكافة أنواعها.. مناخ ملوث.. بعوادم السيارات والعقول.. قلوب لا تجتمع علي شيء. ألسنة اجتمعت اليوم تردد:لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. وقلوبهم شتي.. تلاحمت الاجساد وتفرقت العقول والقلوب.
ومع كل هذا تضاف الأزمة المصرو_ جزائرية.. أشعل النيران الإعلام غير المسئول فامتدت ألسنة اللهب في كل اتجاه.. اهانات وتلاسن من صحف مغمورة أصبحت مشهورة.. موقعة كبري في أم درمان تنافس أشهر المواقع الإسلامية.. أغان وطنية في كل مكان.. و'مارشات عسكرية' فظن القوم أن الحرب قادمة لا محالة.
لكن بين من و بأي سبب كانت ؟ بين شقيقتين.. بسبب صبية هنا وهناك.. مطلوب محاسبتهم, مطلوب جلدهم, وليس جلد العروبة والكفر بها.. مطلوب الاحتماء بالدروع الإسلامية وبالقيم الأخلاقية. العدو.. تحول الي ناصح أمين.. الأشقاء جلسوا في مقاعد المتفرجين.... والدعاة ظهروا علي استحياء..
المشهد مؤسف حقا.. ولآن اليوم عيد المسلمين وعيد القيم الأخلاقية.. آثرت' فكر ديني' أن تناقش الأحداث الاخيرة بهدوء,و تدعو للم الشمل, علي أسس واضحة وهادئة,دون مزايدة من أي جهة ولا اتهامات لنا بالسكوت عن حق مواطنينا.. فالمخطئ يجب أن ينال جزاءه.. ويعود الأشقاء تحميهم مظلة العروبة والإسلام.. حماس شديد.. سيطر علي شبابنا الذين التفوا حول مباراة كرة القدم, وكأنها المخرج الوحيد لهم من قمقم البطالة والفقر والعنوسة, لينهضوا عن بكرة أبيهم أسودا تزأر وتهتف, وتقوم الليل وتتوجه تارة بالدعاء وتارة بـ'الطبل والرقص' لنصرة الفريق, فلماذا لم يتوجهوا بطاقاتهم هذه لقضايانا المهمة, وأين دور الدعاة والأئمة في ترتيب سلم الأولويات لأمتنا, وأين هم من' موقعة'أم درمان المعروفة بمباراة مصر والجزائر؟
الدكتور أحمد عمر هاشم رئيس اللجنة الدينية بمجلس الشعب والرجل الذي عايش الشباب كأستاذ جامعي ورئيس سابق لجامعة الازهر, يرجع سبب حماس الشباب الي حب الرياضة, ويقول إن الإسلام يشجع علي ممارستها,فكان الرسول- صلي الله عليه وسلم- يشاهد الألعاب الرياضية ولا يتحيز لفريق دون الآخر, ويقول'ارموا وأنا معكم جميعا'.
ويضيف هاشم' لكن المشكلة أن هرم الأولويات انقلب عند الكثير من المسلمين, وتواري الاهتمام بالعمل وتحصيل العلم, مع عدم اهتمام الدعاة بتكريس فقه الاولويات,وقال إن مهمة العلماء الآن هي التأكيد علي هذه المعاني, وتكريسها من خلال خطب الجمعة والدروس الدينية, ونفي غياب دور العلماء في أحداث مصر والجزائر, وقال إن الكثير من الاصوات المتعقلة بدأت في التهدئة.
وأشار إلي أن عيد الاضحي المبارك بما يحمله من قيم وأخلاقيات دون شك سيلقي بظلال الرحمة ليلتئم الوفاق العربي, بين البلدين, لكن بعد محاسبة واضحة وصريحة لمشعلي الفتن, ومن قاموا بالاعتداء علي المصريين, مشيرا إلي تشكيل لجنة مشتركة من لجان الشباب والرياضة والعلاقات الخارجية والشئون العربية والامن القومي بالبرلمان المصري للتحقيق في الازمة وملابساتها.
موقف رسمي متزن ولأن المشهد كله تجسد في المستطيل الأخضر, بدت الأضلاع الأربعة حاضرة في الازمة..ضلع السياسة التحم بنظيره الاجتماعي,مع الاقتصادي والديني, لتدور الدنيا كلها في فلك المستطيل, وندور نحن أيضا خلف الكرة, لا نلعب بها, بل لعبت بالمتعصبين والمتشنجين في الدولتين,وفي خضم الازمة أعلن الكثيرون أن العروبة ماتت, ولا رجعة لها, وكان السؤال المنطقي: هل يعني هذا صعود المد الاسلامي ليحل محل العروبة؟
المفكر المعروف المستشار طارق البشري رأي أنه من غير المنطقي أن يؤدي'ماتش كورة'إلي ضياع العروبة, لانها انتماء وليست اختيارا, وقال لا يمكن ان ننكر اننا بحكم التاريخ والجغرافيا والواقع عرب,لايمكن ان نتخلي عن هذه العروبة تحت أي ظرف من الظروف, ومهما حدث, وتحت عباءة العروبة يعيش المسلمون والمسيحيون.
وحمل البشري مسئولية الازمة الاخيرة للاعلام, خاصة الفضائيات وقال ان الاعلام أساسه الآن الاعلان, ولم يعد يرتبط بالاتجاهات السياسية, بل ارتبط بالمكاسب المالية فقط, بعد أن استحوذ عليه رجال الاعمال, ولم يخف البشري تخوفه من أن تمتد يد الاعلام غير المسئول الي قضايا أخري مصيرية, وتثير الجماهير, مشيرا إلي غياب واضح لمبادئ وقيم الاعلام الهادف, التي تؤكد عليها كل المواثيق, ويحتفي بها الاسلام.
ورأي البشري أن عيد الاضحي المبارك, سيكون فرصة للتهدئة, مشيدا بالموقف الرسمي المصري, مؤكدا أن هذا الهدوء الحكيم سينعكس علي الموقف الجزائري أيضا.
واتفق مع الرأي السابق الدكتور عمرو الشوبكي الخبير بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام والمتخصص في الحركات الاسلامية, ورأي أنه من الصعب أن يكون الطرح الاسلامي بديلا للطرح العروبي, ولكن المقبول أن يظل الطرح العروبي قائما, وسيظل لانه لن يتأثر بهذه' الهوجة'.
وقال الشوبكي إن المطلوب حقا إصلاح الداخل علي أساس من القيم والمبادئ الاسلامية, وعدم التعامل مع الامر علي أنه مشروع اسلامي, الذي تواجهه مشكلات جمة, تؤلب الرأي العام الذي يعيش فيه مسلمون وأقباط, وقال إن كرة الثلج التي تدحرجت بين البلدين وتعاظمت نتجت عن أزمات داخلية حقيقية ليهرب الجميع منها الي حيث المرمي والاقدام, حتي تم اختزال الحياة في مصر والعالم العربي طيلة شهر بالكامل في أقدام11 لاعبا بكل من البلدين, وتصوير الفوز علي أنه إنجاز سيفتح الابواب المغلقة, بل سيؤدي إلي الجنة الموعودة.
ورأي أن الحل الأمثل, بعد التحقيق في تداعيات المباراة, هو احياء مشروع وطني داخلي, يعتمد في جوانبه علي البعد الإسلامي, فالمشكلة ليست في العروبة_ كما يقول الشوبكي- ولكن في فقدان البوصلة الحقيقية الموجهة لمشكلات المجتمع الرئيسية, من بطالة وأمية وعنوسة, ليلتف الجميع حول قضية محورية, بشرط أن يجيش الاعلام الفضائي شاشاته ومذيعيه وإمكاناته كما فعل في المباراة.
أين حكماء الأمة؟ ولأنها عرفت بصاحبة الصوت الحكيم الهادئ في معالجة مختلف المشكلات, كان للدكتورة آمنة نصير الاستاذة بجامعة الازهر رأي في الازمة, عتاب رقيق كما تقول, مع أول أيام عيد الاضحي المبارك, ليكون الالتفاف حول الكعبة وتأدية المناسك بالافئدة وليست بالاجساد فقط,وتنقي القلوب ليعود الشعبان المصري والجزائري كما كانا أشقاء.
الدكتورة آمنة قالت' إن لي عتابا علي الدول العربية والاسلامية التي تقف متفرجة وكأن الجرح الذي أصاب الجسد المصري من الجزائريين أمر بسيط, وكأني أهش ذبابة من علي وجهي', وتساءلت: أين حكماء الامة من تصرفات بعض الشباب التي لا تخلو من السطحية وعدم النضج, فحينما يجرح أخ من أخيه يجب ألا نقف متفرجين, ونترك الحبل علي الغارب للالسنة, سواء من مصر او الجزائر.
وتري ان الخلافات تحدث بين أفراد العائلة الواحدة وهو أمر وارد, لكن غير الوارد ان الحكماء ينتقلون لصفوف المتفرجين, ولا يحرصون علي تطبيب الجروح, ووأد الفتنة التي اشتعلت.
ودعت إلي تشكيل لجنة من حكماء العرب لاستيعاب الموقف' حتي لو وجدت في بعض القلوب بعض الشماتة أو عدم الرضا' وقالت' يجب أن نأبي عن هذه النفوس ونغلب قضايانا وعروبتنا ولا نستهين بها, بل يجب أن نأخذ زمام المبادرة لصيانتها قبل أن تدفن في نفوس المصريين والعرب,وأن ينهض هؤلاء الحكماء ويضطلعوا بدورهم للملمة الكرامة التي تناثرت حول مفهوم العرب والعروبة.
ولم تستبعد الدكتورة آمنة الاعلام في البلدين من كلامها, وخصت إعلام مصر وطالبته بتهدئة النبرة وعدم التمادي في الكلمات التي تبتعد عن النضج والمسئولية وتكريس المرارة التي تمتلأ بها حلوق المصريين جراء ما حدث.
وقالت الدكتورة آمنة نصير إن' كلامي لايعني التنازل عن الحقوق او التفريط فيها, بل يعني الحصول علي الحقوق بكرامة وبالأصول المرعية ودون تجريح ولا تهييج للمشاعر,وقالت' لن نترك أي حق ضاع لمال أو كرامة, لكن أخذ الحقوق يكون بالبعد عن الانزلاق الي هاوية التلاسن والكلمات المتطايرة, وعلينا أن نأخذ حق مصر بإباء ونضج.
وناشدت القيادات الدينية والسياسية والفكرية والثقافية عدم اختزال تاريخ مصر والجزائر في الاقدام, وقالت' إننا بهذه الطريقة نحمل الاقدام أكثر مما تحتمل ونحمل نفوس المصريين أكثر مما تحتمل, وعلي العقلاء احتواء الشعبين بكل أطيافهما ومذاهبهما وتوجهاتهما, لان القوة الحقيقية في العقول وليست في الاقدام.
التسامح لا يعني التساهل والأعياد شرعت في الاسلام لأهداف عديدة منها- كما يقول الشيخ محمود عاشور, وكيل الأزهر الأسبق- استثمار المعاني الإنسانية الراقية, وبذل العطاء للمحتاجين وتكريس قيم التضحية والوفاء والتأكيد علي المعاني الاسرية الراقية من خلال أسرة ابراهيم عليه السلام, وتضحية ابنه اسماعيل بحياته تنفيذا لأمر إلهي, لتعم القدوة علي الأسرة الدولية الكبيرة علي المستوي العربي والاسلامي, وقال' لنتخذ العيد فرصة حقيقية لتقوية الروابط الاجتماعية ونشر المودة والرحمة بين المسلمين, والتسامح ايضا.
لكن التسامح المشروط بعزة النفس ونيل الحقوق بالطرق المشروعة واتخاذ موقف ايجابي هادئ بعيدا عن المظاهرات غير السلمية التي شهدناها مؤخرا لمحاولة اقتحام السفارة الجزائرية, مما أدي الي التخريب المتعمد لبلدنا, وهو أمر يرفضه الاسلام وترفضه الاعراف والقوانين, وقال عاشور إن الاحتجاج الاعلامي المثير للمشاعر الذي عايشناه يجب أن يتوقف, بل يجب اعادة النظر في الضوابط الاخلاقية التي ينبغي ان يسير وفقها.
وإن كان علماؤنا يرون أن التسامح يجب أن يكون مشروطا, فان منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة' اليونسكو' تؤكد تلك المفاهيم الاسلامية, إذ اعتمدت في16 نوفمبر1995 إعلان مبادئ بشأن التسامح, بل إنها قررت أن يكون هذا اليوم يوما دوليا للتسامح, والغريب ان هذا اليوم انتصف بين موعدي المباراتين, الاولي14 والثانية18 نوفمبر, ولم يتذكر اي طرف هذا اليوم, بل اشتعلت بعدها النيران لترتفع ألسنتها في18 نوفمبر في أم درمان.
وقالت اليونسكو إن التسامح يعني الاحترام والقبول والتقدير للتنوع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الإنسانية لدينا وأنه الوئام في سياق الاختلاف, ورأت انه ليس واجبا أخلاقيا فحسب, إنما واجب سياسي وقانوني أيضا, ورأته الفضيلة التي تيسر قيام السلام,وتسهم في إحلال ثقافة السلام محل ثقافة الحرب.
وقال إعلان المبادئ لليونسكو إن' التسامح لا يعني المساواة أو التنازل أو التساهل بل التسامح هو قبل كل شيء اتخاذ موقف إيجابي فيه إقرار بحق الآخرين في التمتع بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية المعترف بها عالميا. ولا يجوز بأي حال الاحتجاج بالتسامح لتبرير المساس بهذه القيم الأساسية. والتسامح ممارسة ينبغي أن يأخذ بها الأفراد والجماعات والدول'.
|
 |
 |
 |
|
 |
 |