44910‏عدد رقم2009‏,نوفمبر27

في العيد
‏..‏ كارت أحمر للتعصب

تحقيق ـ أمــاني مــاجــد
لو كان أبو الطيب المتنبي بيننا لما احتاج لطرح سؤاله الشهير‏'‏عيد‏..‏ بأي حال عدت يا عيد‏..‏ بما مضي أم لأمر فيك تجديد‏'‏ لأن إجابته لم تعد تحتاج لقدح زناد الفكر‏..‏

فالجديد كثير أيها الشاعر الكبير‏..‏
هوان وضعف‏..‏ بطالة وأمية‏..‏ احتلال‏..‏ وكبت للحريات‏..‏ تمزق في كل اتجاه‏..‏ أمراض بكافة أنواعها‏..‏ مناخ ملوث‏..‏ بعوادم السيارات والعقول‏..‏ قلوب لا تجتمع علي شيء‏.‏
ألسنة اجتمعت اليوم تردد‏:‏لبيك اللهم لبيك‏..‏ لبيك لا شريك لك لبيك‏..‏ وقلوبهم شتي‏..‏ تلاحمت الاجساد وتفرقت العقول والقلوب‏.‏

ومع كل هذا تضاف الأزمة المصرو‏_‏ جزائرية‏..‏ أشعل النيران الإعلام غير المسئول فامتدت ألسنة اللهب في كل اتجاه‏..‏ اهانات وتلاسن من صحف مغمورة أصبحت مشهورة‏..‏
موقعة كبري في أم درمان تنافس أشهر المواقع الإسلامية‏..‏
أغان وطنية في كل مكان‏..‏ و‏'‏مارشات عسكرية‏'‏ فظن القوم أن الحرب قادمة لا محالة‏.‏

لكن بين من و بأي سبب كانت ؟
بين شقيقتين‏..‏ بسبب صبية هنا وهناك‏..‏ مطلوب محاسبتهم‏,‏ مطلوب جلدهم‏,‏ وليس جلد العروبة والكفر بها‏..‏ مطلوب الاحتماء بالدروع الإسلامية وبالقيم الأخلاقية‏.‏
العدو‏..‏ تحول الي ناصح أمين‏..‏ الأشقاء جلسوا في مقاعد المتفرجين‏....‏ والدعاة ظهروا علي استحياء‏..‏

المشهد مؤسف حقا‏..‏
ولآن اليوم عيد المسلمين وعيد القيم الأخلاقية‏..‏ آثرت‏'‏ فكر ديني‏'‏ أن تناقش الأحداث الاخيرة بهدوء‏,‏و تدعو للم الشمل‏,‏ علي أسس واضحة وهادئة‏,‏دون مزايدة من أي جهة ولا اتهامات لنا بالسكوت عن حق مواطنينا‏..‏ فالمخطئ يجب أن ينال جزاءه‏..‏ ويعود الأشقاء تحميهم مظلة العروبة والإسلام‏..‏
حماس شديد‏..‏ سيطر علي شبابنا الذين التفوا حول مباراة كرة القدم‏,‏ وكأنها المخرج الوحيد لهم من قمقم البطالة والفقر والعنوسة‏,‏ لينهضوا عن بكرة أبيهم أسودا تزأر وتهتف‏,‏ وتقوم الليل وتتوجه تارة بالدعاء وتارة بـ‏'‏الطبل والرقص‏'‏ لنصرة الفريق‏,‏ فلماذا لم يتوجهوا بطاقاتهم هذه لقضايانا المهمة‏,‏ وأين دور الدعاة والأئمة في ترتيب سلم الأولويات لأمتنا‏,‏ وأين هم من‏'‏ موقعة‏'‏أم درمان المعروفة بمباراة مصر والجزائر؟

الدكتور أحمد عمر هاشم رئيس اللجنة الدينية بمجلس الشعب والرجل الذي عايش الشباب كأستاذ جامعي ورئيس سابق لجامعة الازهر‏,‏ يرجع سبب حماس الشباب الي حب الرياضة‏,‏ ويقول إن الإسلام يشجع علي ممارستها‏,‏فكان الرسول‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ يشاهد الألعاب الرياضية ولا يتحيز لفريق دون الآخر‏,‏ ويقول‏'‏ارموا وأنا معكم جميعا‏'.‏

ويضيف هاشم‏'‏ لكن المشكلة أن هرم الأولويات انقلب عند الكثير من المسلمين‏,‏ وتواري الاهتمام بالعمل وتحصيل العلم‏,‏ مع عدم اهتمام الدعاة بتكريس فقه الاولويات‏,‏وقال إن مهمة العلماء الآن هي التأكيد علي هذه المعاني‏,‏ وتكريسها من خلال خطب الجمعة والدروس الدينية‏,‏ ونفي غياب دور العلماء في أحداث مصر والجزائر‏,‏ وقال إن الكثير من الاصوات المتعقلة بدأت في التهدئة‏.‏

وأشار إلي أن عيد الاضحي المبارك بما يحمله من قيم وأخلاقيات دون شك سيلقي بظلال الرحمة ليلتئم الوفاق العربي‏,‏ بين البلدين‏,‏ لكن بعد محاسبة واضحة وصريحة لمشعلي الفتن‏,‏ ومن قاموا بالاعتداء علي المصريين‏,‏ مشيرا إلي تشكيل لجنة مشتركة من لجان الشباب والرياضة والعلاقات الخارجية والشئون العربية والامن القومي بالبرلمان المصري للتحقيق في الازمة وملابساتها‏.‏

موقف رسمي متزن
ولأن المشهد كله تجسد في المستطيل الأخضر‏,‏ بدت الأضلاع الأربعة حاضرة في الازمة‏..‏ضلع السياسة التحم بنظيره الاجتماعي‏,‏مع الاقتصادي والديني‏,‏ لتدور الدنيا كلها في فلك المستطيل‏,‏ وندور نحن أيضا خلف الكرة‏,‏ لا نلعب بها‏,‏ بل لعبت بالمتعصبين والمتشنجين في الدولتين‏,‏وفي خضم الازمة أعلن الكثيرون أن العروبة ماتت‏,‏ ولا رجعة لها‏,‏ وكان السؤال المنطقي‏:‏ هل يعني هذا صعود المد الاسلامي ليحل محل العروبة؟

المفكر المعروف المستشار طارق البشري رأي أنه من غير المنطقي أن يؤدي‏'‏ماتش كورة‏'‏إلي ضياع العروبة‏,‏ لانها انتماء وليست اختيارا‏,‏ وقال لا يمكن ان ننكر اننا بحكم التاريخ والجغرافيا والواقع عرب‏,‏لايمكن ان نتخلي عن هذه العروبة تحت أي ظرف من الظروف‏,‏ ومهما حدث‏,‏ وتحت عباءة العروبة يعيش المسلمون والمسيحيون‏.‏

وحمل البشري مسئولية الازمة الاخيرة للاعلام‏,‏ خاصة الفضائيات وقال ان الاعلام أساسه الآن الاعلان‏,‏ ولم يعد يرتبط بالاتجاهات السياسية‏,‏ بل ارتبط بالمكاسب المالية فقط‏,‏ بعد أن استحوذ عليه رجال الاعمال‏,‏ ولم يخف البشري تخوفه من أن تمتد يد الاعلام غير المسئول الي قضايا أخري مصيرية‏,‏ وتثير الجماهير‏,‏ مشيرا إلي غياب واضح لمبادئ وقيم الاعلام الهادف‏,‏ التي تؤكد عليها كل المواثيق‏,‏ ويحتفي بها الاسلام‏.‏

ورأي البشري أن عيد الاضحي المبارك‏,‏ سيكون فرصة للتهدئة‏,‏ مشيدا بالموقف الرسمي المصري‏,‏ مؤكدا أن هذا الهدوء الحكيم سينعكس علي الموقف الجزائري أيضا‏.‏

واتفق مع الرأي السابق الدكتور عمرو الشوبكي الخبير بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام والمتخصص في الحركات الاسلامية‏,‏ ورأي أنه من الصعب أن يكون الطرح الاسلامي بديلا للطرح العروبي‏,‏ ولكن المقبول أن يظل الطرح العروبي قائما‏,‏ وسيظل لانه لن يتأثر بهذه‏'‏ الهوجة‏'.‏

وقال الشوبكي إن المطلوب حقا إصلاح الداخل علي أساس من القيم والمبادئ الاسلامية‏,‏ وعدم التعامل مع الامر علي أنه مشروع اسلامي‏,‏ الذي تواجهه مشكلات جمة‏,‏ تؤلب الرأي العام الذي يعيش فيه مسلمون وأقباط‏,‏ وقال إن كرة الثلج التي تدحرجت بين البلدين وتعاظمت نتجت عن أزمات داخلية حقيقية ليهرب الجميع منها الي حيث المرمي والاقدام‏,‏ حتي تم اختزال الحياة في مصر والعالم العربي طيلة شهر بالكامل في أقدام‏11‏ لاعبا بكل من البلدين‏,‏ وتصوير الفوز علي أنه إنجاز سيفتح الابواب المغلقة‏,‏ بل سيؤدي إلي الجنة الموعودة‏.‏

ورأي أن الحل الأمثل‏,‏ بعد التحقيق في تداعيات المباراة‏,‏ هو احياء مشروع وطني داخلي‏,‏ يعتمد في جوانبه علي البعد الإسلامي‏,‏ فالمشكلة ليست في العروبة‏_‏ كما يقول الشوبكي‏-‏ ولكن في فقدان البوصلة الحقيقية الموجهة لمشكلات المجتمع الرئيسية‏,‏ من بطالة وأمية وعنوسة‏,‏ ليلتف الجميع حول قضية محورية‏,‏ بشرط أن يجيش الاعلام الفضائي شاشاته ومذيعيه وإمكاناته كما فعل في المباراة‏.‏

أين حكماء الأمة؟
ولأنها عرفت بصاحبة الصوت الحكيم الهادئ في معالجة مختلف المشكلات‏,‏ كان للدكتورة آمنة نصير الاستاذة بجامعة الازهر رأي في الازمة‏,‏ عتاب رقيق كما تقول‏,‏ مع أول أيام عيد الاضحي المبارك‏,‏ ليكون الالتفاف حول الكعبة وتأدية المناسك بالافئدة وليست بالاجساد فقط‏,‏وتنقي القلوب ليعود الشعبان المصري والجزائري كما كانا أشقاء‏.‏

الدكتورة آمنة قالت‏'‏ إن لي عتابا علي الدول العربية والاسلامية التي تقف متفرجة وكأن الجرح الذي أصاب الجسد المصري من الجزائريين أمر بسيط‏,‏ وكأني أهش ذبابة من علي وجهي‏',‏ وتساءلت‏:‏ أين حكماء الامة من تصرفات بعض الشباب التي لا تخلو من السطحية وعدم النضج‏,‏ فحينما يجرح أخ من أخيه يجب ألا نقف متفرجين‏,‏ ونترك الحبل علي الغارب للالسنة‏,‏ سواء من مصر او الجزائر‏.‏

وتري ان الخلافات تحدث بين أفراد العائلة الواحدة وهو أمر وارد‏,‏ لكن غير الوارد ان الحكماء ينتقلون لصفوف المتفرجين‏,‏ ولا يحرصون علي تطبيب الجروح‏,‏ ووأد الفتنة التي اشتعلت‏.‏

ودعت إلي تشكيل لجنة من حكماء العرب لاستيعاب الموقف‏'‏ حتي لو وجدت في بعض القلوب بعض الشماتة أو عدم الرضا‏'‏ وقالت‏'‏ يجب أن نأبي عن هذه النفوس ونغلب قضايانا وعروبتنا ولا نستهين بها‏,‏ بل يجب أن نأخذ زمام المبادرة لصيانتها قبل أن تدفن في نفوس المصريين والعرب‏,‏وأن ينهض هؤلاء الحكماء ويضطلعوا بدورهم للملمة الكرامة التي تناثرت حول مفهوم العرب والعروبة‏.‏

ولم تستبعد الدكتورة آمنة الاعلام في البلدين من كلامها‏,‏ وخصت إعلام مصر وطالبته بتهدئة النبرة وعدم التمادي في الكلمات التي تبتعد عن النضج والمسئولية وتكريس المرارة التي تمتلأ بها حلوق المصريين جراء ما حدث‏.‏

وقالت الدكتورة آمنة نصير إن‏'‏ كلامي لايعني التنازل عن الحقوق او التفريط فيها‏,‏ بل يعني الحصول علي الحقوق بكرامة وبالأصول المرعية ودون تجريح ولا تهييج للمشاعر‏,‏وقالت‏'‏ لن نترك أي حق ضاع لمال أو كرامة‏,‏ لكن أخذ الحقوق يكون بالبعد عن الانزلاق الي هاوية التلاسن والكلمات المتطايرة‏,‏ وعلينا أن نأخذ حق مصر بإباء ونضج‏.‏

وناشدت القيادات الدينية والسياسية والفكرية والثقافية عدم اختزال تاريخ مصر والجزائر في الاقدام‏,‏ وقالت‏'‏ إننا بهذه الطريقة نحمل الاقدام أكثر مما تحتمل ونحمل نفوس المصريين أكثر مما تحتمل‏,‏ وعلي العقلاء احتواء الشعبين بكل أطيافهما ومذاهبهما وتوجهاتهما‏,‏ لان القوة الحقيقية في العقول وليست في الاقدام‏.‏

التسامح لا يعني التساهل
والأعياد شرعت في الاسلام لأهداف عديدة منها‏-‏ كما يقول الشيخ محمود عاشور‏,‏ وكيل الأزهر الأسبق‏-‏ استثمار المعاني الإنسانية الراقية‏,‏ وبذل العطاء للمحتاجين وتكريس قيم التضحية والوفاء والتأكيد علي المعاني الاسرية الراقية من خلال أسرة ابراهيم عليه السلام‏,‏ وتضحية ابنه اسماعيل بحياته تنفيذا لأمر إلهي‏,‏ لتعم القدوة علي الأسرة الدولية الكبيرة علي المستوي العربي والاسلامي‏,‏ وقال‏'‏ لنتخذ العيد فرصة حقيقية لتقوية الروابط الاجتماعية ونشر المودة والرحمة بين المسلمين‏,‏ والتسامح ايضا‏.‏

لكن التسامح المشروط بعزة النفس ونيل الحقوق بالطرق المشروعة واتخاذ موقف ايجابي هادئ بعيدا عن المظاهرات غير السلمية التي شهدناها مؤخرا لمحاولة اقتحام السفارة الجزائرية‏,‏ مما أدي الي التخريب المتعمد لبلدنا‏,‏ وهو أمر يرفضه الاسلام وترفضه الاعراف والقوانين‏,‏ وقال عاشور إن الاحتجاج الاعلامي المثير للمشاعر الذي عايشناه يجب أن يتوقف‏,‏ بل يجب اعادة النظر في الضوابط الاخلاقية التي ينبغي ان يسير وفقها‏.‏

وإن كان علماؤنا يرون أن التسامح يجب أن يكون مشروطا‏,‏ فان منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة‏'‏ اليونسكو‏'‏ تؤكد تلك المفاهيم الاسلامية‏,‏ إذ اعتمدت في‏16‏ نوفمبر‏1995‏ إعلان مبادئ بشأن التسامح‏,‏ بل إنها قررت أن يكون هذا اليوم يوما دوليا للتسامح‏,‏ والغريب ان هذا اليوم انتصف بين موعدي المباراتين‏,‏ الاولي‏14‏ والثانية‏18‏ نوفمبر‏,‏ ولم يتذكر اي طرف هذا اليوم‏,‏ بل اشتعلت بعدها النيران لترتفع ألسنتها في‏18‏ نوفمبر في أم درمان‏.‏

وقالت اليونسكو إن التسامح يعني الاحترام والقبول والتقدير للتنوع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الإنسانية لدينا وأنه الوئام في سياق الاختلاف‏,‏ ورأت انه ليس واجبا أخلاقيا فحسب‏,‏ إنما واجب سياسي وقانوني أيضا‏,‏ ورأته الفضيلة التي تيسر قيام السلام‏,‏وتسهم في إحلال ثقافة السلام محل ثقافة الحرب‏.‏

وقال إعلان المبادئ لليونسكو إن‏'‏ التسامح لا يعني المساواة أو التنازل أو التساهل بل التسامح هو قبل كل شيء اتخاذ موقف إيجابي فيه إقرار بحق الآخرين في التمتع بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية المعترف بها عالميا‏.‏ ولا يجوز بأي حال الاحتجاج بالتسامح لتبرير المساس بهذه القيم الأساسية‏.‏ والتسامح ممارسة ينبغي أن يأخذ بها الأفراد والجماعات والدول‏'.‏