44909‏عدد رقم2009‏,نوفمبر20

الأملاك المفقودة إختراع إسرائيلي من أجل التوطين‏:‏
مساع إسرائيلية لمبادلة تعويضات أملاك المهاجرين اليهود

نيتانياهو

كتب : محمد عبد الهادي
في زحمة انشغال السلطة الفلسطينية بحشد دعم دولي لمشروع قرار يقدم لمجلس الأمن للاعتراف بدولة فلسطينية في حدود‏4‏ يونيو‏1967‏ ترفضه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وقع رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نيتانياهو قانونا يمنع التوصل إلي اتفاق سلام دون حصول مايسميهم اللاجئين اليهود علي ظروف مماثلة للاجئين الفلسطينيين‏,‏ كما صادقت الهيئة العامة للكنيست ـ حسبما ذكرت وسائل الاعلام الإسرائيلية ـ علي مشروع قانون بالقراءة التمهيدية قدمه العضو ينسيم زئيف من حزب شاس المشارك في الائتلاف الحكومي يقضي بعدم القبول باتفاق سلام مع الفلسطينيين بدون ترتيب أوضاع ما سماهم اللاجئين اليهود الذين هاجروا من الدول العربية لإسرائيل عام‏1948,‏ وتسعي إسرائيل من وراء ذلك ـ وبتفهم أمريكي ـ إلي مقايضة حق الفلسطينيين بالعودة أو التعويض بتعويضات تدفعها الدول العربية لليهود الذين غادروا بلدانهم العربية إلي إسرائيل أي أن تدفع الحكومات العربية وليس إسرائيل تعويضات للاجئين الفلسطينيين؟‏!‏ فضلا عن مساع‏,‏إسرائيلية أمريكية لقبول الدول العربية بتوطين اللاجئين الفلسطينيين؟‏!‏

ويأتي قانون نيتانياهو ومشروع قانون زئيف استكمالا لما بدأته الحكومات الإسرائيلية بعد اتفاق أوسلو‏1993‏ حيث أعدت خلال رئاسة إيهود باراك للحكومة عام‏1999‏ قوائم وصفتها بأنها لأصول يهودية مفقودة في الدول العربية إبان مغادرة اليهود لها منذ حرب‏1948,‏ وقدرت هذه الأصول بمليارات الدولارات لاستخدامها في مساومة الفلسطينيين والدول العربية علي حق العودة والتوطين وتسوية طلبات تعويض اللاجئين الفلسطينيين‏,‏ وقال مكتب باراك إن من يقف وراء المبادرة التي ظهرت في العام السابق وقت حكومة نيتانياهو لاعداد هذه القوائم هو اتحاد اليهود الشرقيين القادمين من الدول العربية‏,‏ إلا أنه ذكر في الوقت نفسه أن مسألة تسوية هذه الأصول علي تعويضات اللاجئين الفلسطينيين لم تدخل بعد في استراتيجية إسرائيل التفاوضية بشأن قضية اللاجئين أي أنها مؤجلة للوقت المناسب‏.‏

لكن باراك قبل نهاية نفس العام وجد الوقت المناسب حيث عرض علي الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات خلال قمة ثلاثية جمعتهما مع الرئيس الأمريكي بيل كلينتون بالعاصمة النرويجية أوسلو اقتراحا ـ رفضه عرفات ـ يقضي بمبادلة تعويضات اللاجئين الفلسطينيين بتعويضات لليهود من الدول العربية عن أملاكهم المفقودة أو المزعومة‏,‏ أي أنه في النهاية تمول الدول العربية‏(‏ الخليجية‏)‏ تعويضات الفلسطينيين كتسوية نهائية للقضية أي إلغاء حق العودة وتمويل العرب لهذا الإلغاء أي دعوة العرب للمشاركة في الجريمة‏!‏ وحصل باراك علي دعم أمريكي للتصور الإسرائيلي لحل مشكلة اللاجئين ـ وهو دعم مستمر حتي الآن ـ واتفق مع الرئيس الأمريكي ـ الأسبق ـ بيل كلينتون عام‏2000‏ علي بدء جهود لجمع تبرعات لتمويل حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين‏,.‏ ولتنشيط مايسمي بـ الوعي العام‏(‏ الدولي‏)‏ بالحاجة إلي استيعابهم‏(‏ توطينهم في الدول العربية المقيمين فيها‏)‏ مما أثار ردود فعل عربية رافضة للترويج لهذه الضفة ومستنكرة حرمان أصحاب الأرض من حق العودة والسماح باستيطان مهاجرين يهود محلهم‏.‏

وكانت مراكز بحوث ودراسات أمريكية روجت‏(‏ قبل مفاوضات كامب ديفيد عام‏2000‏ بين كلينتون وباراك وعرفات‏)‏ في أوراق عمل ودراسات أصدرتها لمسألة التوطين أو عودة الفلسطينيين إلي الدولة الفلسطينية المنشودة‏,‏ وفي نفس الآونة أثار السجال بين رئيس وزراء كندا جان كريستيان والمعارضة حول استعداد كندا لتوطين‏15‏ ألف فلسطيني الشكوك حول دعم حكومات غربية مخطط إنهاء قضية اللاجئين وإلغاء حق العودة علي أساس التوطين وتعويضات مناسبة‏.‏

وعزز هذه الشكوك تبني مؤسسات وثيقة الصلة بصناعة القرار في الغرب الحل علي أساس التوطين‏,‏ ويرفض الفلسطينيون والعرب هذا الحل كونه انتهاكا لحق أساسي من حقوق الإنسان التي تتشدق نفس الدوائر بالحديث عنها وتطالب بإنزال عقوبات علي دول وشعوب تحت يافطتها‏,‏ بينما تصادر حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة وتعتدي علي سيادة الدول العربية فضلا عن انتهاك هذا الحل للشرعية الدولية‏.‏

ومعروف أن الموقف العربي الذي اتخذ منذ بداية الصراع بعدم منح اللاجئ الفلسطيني جنسية البلد المقيم فيها جاء حفاظا علي هويته وحقوقه المشروعة كالتزام أخلاقي وسياسي‏,‏ وقد تشكل في إطار الجامعة العربية هيئة تسمي مؤتمر المشرفين علي أوضاع الفلسطينيين في الدول العربية المضيفة لمتابعة القضية‏.‏ وأوضاعها بالتنسيق مع الحكومات‏,‏ حيث يتمسك الجانب العربي بقراري الشرعية الدولية‏(‏ قرار الجمعية العامة رقم‏194‏ لسنة‏1949‏ بشأن حق العودة أو التعويض للاجئين‏,‏ وقرار مجلس الأمن رقم‏237‏ لسنة‏1967‏ بشأن حق العودة للنازحين كأساس لتسوية عادلة لقضية اللاجئين والنازحين‏),‏ ويرفض الجانب العربي توطين الفلسطينيين في الدول المقيمين فيها‏,‏ ويشدد علي أن أي حلول خارج المرجعيات الدولية مرفوضة‏,‏ كما يرفض الجانب العربي محاولات إسرائيل تسوية قضية اللاجئين بمبادلة تعويضات اللاجئين بتعويضات من الدول العربية عن أصول أملاك يهودية مفقودة‏!‏

وجدير بالذكر أن بعض اليهود الشرقيين من أنصار السلام مع العرب رفضوا هذه المساومة‏,‏ وأعلن يهودا شيناف المولود في العراق وأستاذ علم الاجتماع بجامعة تل أبيب أنه من غير العدل أن تستغل إسرائيل قضايا تعويضات أصول خاصة بأفراد‏...‏ حكومة إسرائيل تحاول استغلالنا من أجل دوافع خفية ويريدون أن يقيدوا أيدينا بأيدي الفلسطينيين بنفس الأغلال‏.‏

غير أن بعضا من اليهود الذين كانوا غادروا مصر منذ‏1948‏ وحتي‏1967‏ وورثتهم قد قاموا باعداد ملفات تضم أوراقا ووثائق ومستندات تزعم ملكيتهم لأراض وعقارات ومحلات في مصر في محاولة للاستيلاء عليها تحت شعار استردادها مطالبين بإستعادتها أو الحصول علي تعويضات‏,‏ كما تشكلت لهذا الغرض جمعيات في أوساط الإسرائيليين واليهود المهاجرين في دول أوروبية والولايات المتحدة شنت حملة علي مصر والدول العربية‏,‏ وسعت إلي الحصول علي دعم من حكومات غربية لأهدافها‏,‏ وتأييد رأي عام أوروبي وأمريكي لمزاعمها‏.‏ ذلك علي الرغم من أنهم قد باعوا ممتلكاتهم قبل المغادرة‏,‏ ومنهم من حصل علي تعويضات عقب التأميم عام‏1961.‏

وتتشدد السلطات المصرية في التعامل مع هذه الدعاوي بعدما ثبت لها أنها تتعرض لعملية نصب وخداع من وراء هذه الدعاوي‏,‏ فقد كانت محكمة الاسكندرية الابتدائية أصدرت حكما عام‏1999‏ لصالح ورثة ألبرت ميتزجر باعادة فندق سيسل بالإسكندرية إليهم بعدها قدموا وثائق ومستندات تثبت ذلك‏,‏ ثم تبين أن ورثة ميتزجر كانوا قد حصلوا علي تعويضات عام‏1958‏ بعد فرض الحراسة علي وممتلكاته‏,‏ كما أن المستندات التي قدمت إلي المحكمة بشأن قرارات أصدرتها لجنة تصفية الحراسات أيام الرئيس السادات برفع الحراسة مزورة أيضا‏,‏ كما تبين أساسا أن ميتزجر نفسه كان استولي علي الأرض المقام عليها الفندق من أصحابها الحقيقيين وهي أرض تردد أنها كانت تابعة للكنيسة المصرية‏.‏

وقامت الحكومة المصرية بنقض الحكم‏,‏ وبعد هذا الكشف لم يتقدم أحد إلي الحكومة المصرية أو إلي القضاء بطلبات جديدة من هذا النوع‏.‏