44910‏عدد رقم2009‏,نوفمبر27

فى الميزان‏
'‏انزل يا واد من فوق كتاف القاهرة‏'!!‏
بقلم أشرف عبدالمنعم

مليون شهيد‏...‏ وتاريخ مجيد
من الكفاح المشترك‏...‏ وخوض غمار المعترك
و ف آخر الشوط أخسرك‏...‏ وثورتك‏..‏ حريتك
دول كان مخاضهم أرضنا‏...‏ وف حضننا
تيجي انت تهتك عرضنا‏...‏ تحرق علمنا
اللي كان شاهد علي قبر الشهيد
وترهب الطفل الوليد
تنسي تاريخك يابليد
بقي هو دا الجيل الجديد‏..‏

وانزل ياواد من فوق كتاف القاهره
انت فقدت الذاكره
لاتصلي في الأزهر
ولاتمشي ف حواري السيده
ولاتسمع الكوكب وهي منشده
ولاتقرا محفوظ النجيب
ولاحتي تسمع عندليب
خليك كده
تحرم عليك
كل العيون والأفئده
تحرم عليك كل الدماء والأورده
وبريئه منك ألف مدنه
وكل جبهه ساجده
وأنا حفضل المصري
كريم العنصرين
اللي متربي وساكن في الحسين‏..‏

..‏جزء من كلمات نافذة صادقة موجعة وقعت عيناي عليها بمحض المصادفة مسطورة فوق إحدي شاشات الغناء تطل من بين أطلال هزل غنائي دائم بأشباه الأغنيات‏,‏ فجاءت تلك الكلمات كمثل سهم رشيق من وسط الغبار انطلق‏,‏ فاستقر في صميم الوجدان يزلزل جنباته بمذاقات الشجن والحزن وأوجاع الكبرياء‏..‏ وما أدراك ما أوجاع الكبرياء‏!!‏

كلمات سطرها شاعر مصري بمعني الكلمة‏,‏ لاتحتمل كلماته التباسا أو تأويلا‏,‏ ولايمكن أن تكون كلماته صادرة إلا عن عقل وقلب يتنفسان حب هذا البلد وعبق هذا البلد وتاريخ هذا البلد‏.‏

الشاعر لا أعرفه و إن كنت قرأت اسمه علي تلكم الشاشة ـ محمد محمود السعيد ـ من بعد أن هبطت كلماته فوق خلفية الراية المصرية عملاقة الأبعاد والمعاني‏,‏ وقد انطلقت في الخلفية أغنية ذات شجون ندر الاستماع اليها منذ زمن تنشدها المجموعة‏:'‏ تعيشي يا بلدي يا بلدي تعيشي‏..‏ يا قلة العطشان يا بلدنا‏..‏ يا ضلة الحران يابلدنا‏..‏ ياشمسة البردان يابلدنا‏..‏ ياجنة الإنسان يابلدنا يابلدنا‏'.‏

فجاءت التركيبة عبقرية المذاق تحمل أطياف الماضي وفجيعة الحاضر‏(‏ وإن فوجئت بعد أيام بالاستعاضة عن النص الصامت بنص ملقي و بخلفية موسيقية أخري‏).‏

وبغض النظر عن الشكل الذي عرض العمل من خلاله‏,‏ فإن ما يعنيني هو عبقرية النص‏,‏ فبعيدا عن البعد التاريخي التوثيقي الذي استهل به الشاعر قصيدته والذي راح شاعرنا يعدد من خلاله إحسانات هذا البلد علي‏(‏ الشقيقة‏)‏ الجزائر فيما ضيق رحاب المعني إلي مستوي العلاقة التاريخية بين هذين البلدين بالذات دون سواهما‏,‏ إلا أن عبقرية أي عمل فني تظل كامنة فيما يحتمله من معان كثر‏..‏ ربما كلمة أو مجموعة من كلمات قادرة هي علي افتراش كل الأرض في أي زمن وعلي أي مجموعة من بشر‏,‏وكأنها قد كتبت لهم خصيصا وهي التي سطرها شاعرها من خيوط تجربته هو‏..‏ ولكنه عمق التناول الذي يغوص في النفس البشرية الواحدة فينفذ إلي كل النفوس وينطبق علي كل الناس‏.‏

'‏إنزل ياواد من فوق كتاف القاهرة‏'‏ عبارة عبقرية أوحت بكل المعاني‏,‏ وكم هي موحية كلمة‏'‏ ياواد‏'‏ تلك من فرط الاحتقار والتدني اللذين يري من خلالهما الشاعر أن كل متطاول علي هذا البلد هو في حقيقته المعتلي لأكتاف عملاقة‏,‏ تصور أن قامته مساوية لقامتها فتجاوز‏,‏فلما تجاوز حق عليه أن يهبط منها مذءوما مدحورا‏,‏ بلا صفة‏..‏ بلا تاريخ لأنه‏'‏ فقد الذاكرة‏'‏ تلك الذاكرة التي هوت بمجرد أن سقطت دعائمها ــ كل الرموز المصرية من وجهة نظر شاعرنا‏,‏ ومن ثم تزداد شماتة الشاعر فيه بأن‏:'‏ خليك كده‏..‏ وبريئة منك ألف مدنه وكل جبهة ساجده‏..‏ وأنا ها فضل المصري كريم العنصرين‏'.‏

فعلا‏..‏ كثيرون هم جدا من أصبح لزاما عليهم وعلينا أن ينزلوا من فوق أكتاف القاهرة‏..‏ القاهرة التي طالما أوعزوا لها‏(‏ يعدوها الفقر‏)‏ ثم يتبرؤون منها أو يستكثرون عليها كل مجد تصنعه بساعديها وليس بسواعدهم‏(‏ الوليدة‏),‏ يزاحمونها في كل محفل وهم يعلمون كم هي شاهقة هامتها أمام دونية ما يحيكون لها في كل ظلمة هم إليها مهتدون‏,‏ وللأسف كلما صفحت القاهرة عن هؤلاء التوافه ازدادوا حنقا وكرها لها‏!!‏

ولأن العبارة عبقرية كما أسلفنا‏,‏ فإنني أراها تنسحب ليس فقط علي كل غريب عن هذا البلد وإنما علي من هم حل بهذا البلد ــ كل مصري تخونه وطنيته‏(‏ شرقا‏)‏ أوغربا فيتطاول ويفترش ساحة الإسفاف فيتنصل عن أبسط الأصول‏;‏ بأن يصول ويجول خوضا في عرض القاهرة‏,‏ وشرف القاهرة بجواد أعرج أعمي يمتطيه علي أوراق جريدة‏(‏ مصفرة‏)‏ الأوراق‏;‏ أو قناة تؤتي أكلها من رحيق‏(‏ القطران‏)‏ وعبق‏(‏ الجاز‏),‏ ينشد إرضاء من هم في أعماق مكنونات أنفسهم يحتقرونه‏,‏ وإن شجعوه وزينوا له سوء عمله‏..‏ فبئس العمل وبئس القرار‏!!‏
انزل ياواد من فوق كتاف القاهرة
من امتي بتشيل العيال
دي مصر ولادة رجال‏..‏
رجاله من عزه وشهامه مش ورق
ياحارق الطوق والشراع
مين راح ينجيك من الغرق