 |
 |

تمرد الثعابين بقلم: فؤاد قنديل
استيقظ كل العاملين في الموقع علي همهمات مدوية تصك الكون وتكاد تهزه.. مر الخفير علينا لينبهنا إلي أن مئات الثعابين تحاصر الموقع ويصدر عنها هدير مكتوم يخرج من بطونها ويرج أجسادها بفعل الضغط الغاضب.. كان المشهد مثيرا لأقصي درجات الرعب, الثعابين تركب السور الملتف حول الموقع. عشرات العمال في خطر. هم لاشك يطلبونني.. لامجال للفرار. قال الخفير الليبي: يجب ان تخرج إليهم وإلا هجموا وقضوا علينا جميعا. أدرك الكل بشاعة المأزق وانعدام الحلول إلا حلا واحدا. فكرت في دخول غرفتي واغلاقها علي. تبينت سريعا هشاشة الحل وعواقبه تقدمت الثعابين فتعالي الصراخ.
**** وضعت قدمي علي طريق العودة. أندفع بالسيارة اللاندروفر. الجبل علي يساري يرافقني كصديق, توثقت علاقتنا, والبحر علي يميني يبدو محتقنا من هدوء السماء تبلغني تأوهات أمواجه وصخب العراك بينها دون توقف.
ملأت السيارة بجميع مايحتاجه الموقع, واشتريت للموظفين والعمال مايشتهون من سجائر وشاي وسكر وأظرف خطابات وأقلام وبطاريات للراديو والمسجل, بعضهم طلب شباشب وأمشاطا ومرايا وإبر وبكر خياطة وطلب موسي مسئول الورشة نظارة سوداء تحمي عينيه من شرار ونور اللحام ولما طلب مبارك زجاجات كولونيا وصابونا مخصوصا, طلب مثله الآخرون, وطلب العايق الجزائري ميلود حنيش مجلات بورنو, قلت له إنها لاتتوفر في ليبيا جميعها ولاحتي طرابلس, قال: لقد رأيتها مع كل الناس مهربة.
لم أجدها في القرية التي تبعد ستين كيلو عن الموقع.. اشتريت له بوسترات لفنانات أجنبيات شبه عاريات يمكن أن يحقق بها أغراضه.
كانت الطلبات كثيرة, قضيت معظم النهار في جمعها.. الجو جميل. الطريق مفتوحة والشمس تتأهب للوداع الناعم وقد بدت علي السماء ملامح التأثر للفراق الوشيك.. تسليت بالغناء والنقر بأناملي علي المقود.. استعدت أغاني عبدالحليم التي صاحبتني علي مدي عشر سنوات ويزيد. لازمتني في أحوال كثيرة وأعانتني علي احتمال عاصف الشوق إلي كل من أحببت. توقفت فجأة عن الغناء والقيادة.. فوجئت بإطار كاوتشوك أسود ضخم في وسط الطريق. كان يمكن أن يقلب السيارة مع سرعة تجاوزت المائة.
نزلت وأنا ألعن من فعل.. يجب إزاحته فورا. وما إن اقتربت وأصبح الفاصل خطوتين, طار الإطار في جهي واندفعت طائرا علي ظهري لأسقط إلي جوار باب السيارة تتملكني حالة رعب وذهول أوقفت تفكيري تماما. رأس الإطار أقصد الثعبان بدا كأنه يطل علي قادما من السماء, ارتجفت بشدة. تجمدت لحظات. أنا في حلم أم في علم؟ وهم أم حقيقة؟
الرأس الضخم الذي يشبه رأس جمل يتحرك جهة اليمين وجهة اليسار باعتزاز. عضلاتي مفككة واختفت الأعصاب. مازال عقلي غائبا. لن يصبر علي الوحش كثيرا. لم يكن بد أولا من الرجوع للخلف قليلا حتي لا أكون في مدار لسانه وأسنانه, نصفه المنتصب علي الأقل ثلاثة أمتار, ونصفه الثاني مازال علي الأرض ملتويا كإطار.
تحرك.. لن ينتظرك. سكونك لن ينفعك. نصائح الأهل قديما تتوالي.. كنت دائما أشك فيها. إذا التقيت الأسد ولزمت الأدب فلا ضرر. نصائح العجزة أو الحكماء التي تأخذ بالحد الأدني, لاتكن مستفزا علي الأقل. فربما يزدريك المفترس ويستضعفك فيوفر غضبه أو هجومه الذي لاتستحقه.
قفزت فجأة إلي العربة وأغلقت الباب, مشلولا, قبعت أنظر إليه لا أريد أن أبارح, فقد يستفزه المحرك ويثير اعصابه وغضبه. بدأت أفكر بدرجة أفضل, تذكرت الحمولة ومافيها من لحم وخضراوات وحلوي, إذن يجب التحرك, بسرعة, الرجوع للخلف ثم تجنبه, والانطلاق. لا. لا يجب تركه لابد من المواجهة وتحديد مصيره.. إنه يهدد الطريق والسيارات العابرة. وبصرف النظر عن علاقتنا الشخصية وكم الرعب الذي بثه في روعي حتي لأشك في قدرتي علي الانجاب بعد ذلك, فإن عملي في مركز صيانة الطريق الصحراوي من الرمال والمياه والأخطار يقتضي إزاحته.
مع هذا العزم بقيت لحظات أقلب الأمر من جديد لا داعي للحماقة وفي الوقت ذاته لاداء للتخاذل وتجنب المواجهة. تركه معناه مشاكل كثيرة لآخرين.. من اين جاء؟ وأين كان يختبيء؟ وكيف أصبح له كل هذا الحجم دون أن يعرف به سكان القري المجاورة, ليس الوقت مناسبا للاسئلة. الوقت يسمح فقط بتحديد مصيره ومصيري.
رجعت إلي الخلف نحو خمسين مترا, ثم تقدمت منه مسرعا وارتطمت به.. أحسست أني ارتطمت بشجرة.. كان الصوت عاليا ومكتوما, ولم أتوقف إلا بعد خمسين مترا. رفعت نظراتي إلي المرآة الأمامية, فوجدته واقفا دون تغيير.
عدت إليه بقوة, واصطدمت به. كان الصوت أعلي. انقلبت بعض الكراتين والأكياس داخل السيارة مرقت فجأة سيارة تكاد تطير وسبني من فيها, وقفت بعيدا أتأمل الثعبان الأسطوري الذي لايتأثر بضربات اللاندروفر. مساحات النور تتراجع. أضأت أنوار السيارة. أسرعت مندفعا أهجم عليه, فوجئت به وقد علا وعندما ارتطمت به ضرب برأسه الزجاج وسقف السيارة من أعلي.. ارتجفت رعبا, وبعد ان ابتعدت عنه ولمحته واقفا كعمود أسود فكرت في تركه.. المعركة ستطول.. لعل النتيجة لاتكون مرضية لكن دون تفكير ضغطت علي إكسراتير البنزين بقوة وعدت وضربته بظهر السيارة ثم توقفت وحدقت فيه عبر الزجاج فوجدته يتلوي ويعلو وينخفض في بطء متداعيا..
اندفعت نحوه من جديد لأضربه بعنف وأتجاوزه عابرا فوقه بينما كان منطرحا علي ظهره دون أن يضرب زجاج السيارة.. أرتد إليه ذهابا وإيابا, حتي عاد كما كان إطارا متراكبا من الكاوتشوك, ورأسه برقبته مرمية إلي جانبه. دنوت منه ووجهت إليه كشافات السيارة. تأملته برعب. ثم تراجع رعبي تدريجيا كلما أدركت أنه انتهي واستسلم مرقت سيارة بعد سيارة في سرعات مجنونة وأمطروني بشتائمهم القاسية.. لابد من إزاحته عن الطريق.. لابد.
تسلل إلي نفسي احساس بالإشفاق عليه. هذا العملاق تحول إلي خرقة.. استندت بظهري إلي مقدمة السيارة. وعقدت ساعدي ورحت أتأمله وهو بلا حول ولاقوة..هل كان يمكن ألا أفعل مافعلت؟
أخرجت من السيارة حبلا غليظا, كان دائما معي لأي طارئ.. ربطته جيدا من رأسه وعلقت الحبل في مقبض الجر الحديدي الخلفي, وقدت السيارة عدة أمتار ثم نزلت منها لأشاهده وهو مفرود تماما خلف السيارة علي الطريق كنخلة يتجاوز طوله السبعة أمتار غليظ البدن, ثمة انبعاج واضح علي بعد مترين من رأسه. ربما ابتلع عنزة, وكان لايزال يحاول هضمها.
قبل أن أنحرف في اتجاه الجبل لإطلاق سراحه قررت السير نحو الموقع, فلابد ان يشاهد العمال الصيد الكبير والمغامرة الصعبة.. لن أقول لهم حرفا, فالجثة أمامهم.. انطلقت بقوة وباحساس مختلف كأني أركب فرسا وأحمل سيفا وأخوض في لحوم الأعداء.
قبل البوابة بمائتي متر أطلقت آلة التنبيه ولعبت بالأضواء.. رأيت الخفير يفتح وإلي جواره كل العملا والموظفين وقد أصابهم القلق علي فلم يحدث مرة أن تجاوزت العصر.. تقدموا مني فوقفت خارج البوابة.. اكتشف بعضهم الثعبان قبل أن يتقدم مني ويحمد الله علي سلامتي.. أسرعوا إليه جميعا, بينما أهبط من السيارة, ومضوا يعبرون عن دهشتهم ويسألون. وأنا أتأملهم ولا أجيب إلي أن زعق الخفير الليبي في بطريقة حادة وهو يغلق البوابة دوننا: * من وين جبته. عيده انشغلت مع الشباب, فعاد يزعق * تسمع في ولا ماتسمع قلت له لأخفف حدته: * عمرك رأيت مثله. اندفع بحدة أكبر ـ عيده في التو يامصري. صبرت عليه كثيرا لكنه تجاوز حدوده, قلت له: * اسكت خالص. قال بحدة زائدة وهو يفتح كل ملامح وجهه بغضب: * أنت اللي تسكت خالص وترجع بيه الحين.. أنت ماتدري إيه يحصل يافرحان بالغنيمة. توجست فسألته: * إيه يحصل؟ قال: * كل أهله يكونون هنا بعد ساعة أو ساعتين. ارتعد الجميع وأنا قبلهم. سألته: حق ولاتمزح. قال بهدوء: تعرفني أمزح.. هذا الأخ له عزوة كبيرة, وأنت دلتهم علي طريقنا.
تغيرت الوجوه. اختفت الدهشة وحل الفزع.. من المؤكد انهم يتخيلون الثعابين الآن تحيط بنا من كل جانب.
بدأ الشباب يحرضونني بالفعل علي إعادته.. قال بعضهم: سنذهب معك.
رضخت وقلت: أنزلوا التموين, وضعوا اللحوم في الثلاجات.
عدت بسرعة لاتزيد علي ثلاثين كيلو مترا أحدق في الطريق وجوانبه.. أتصور أن بعض الثعابين تسعي في طلبي..دخلت في واد بين جبلين وطلبت ممن معي أن يحلوا وثاقه فرفضوا.. نزلت وحللت الحبل.. ألقيت عليه نظرة حانية.. عدت أشفق علي مآل عميد عائلة اغتيل من حيث لايدري.. الخطأ علي كل حال خطؤه, فما كان يجب أن يتوقف في وسط طريق تمر عليه سيارات مجنونة. عدت شاردا, أجيب بغير اهتمام. وكنت من قبل مزهوا بالانتصار.. عدت نادما كأني اقترفت جرما.. تخيلته فجأة رجلا فقيرا وضعيفا وقد قتلته بسيفي دون رحمة, وألحقت به العار وسط عائلته.
ظل يخالجني حتي الصباح قلق غامض, خشية أن تكون هناك عواقب وخيمة وتوابع ضارة بسبب مصرع هذه الشخصية المهمة. لكن كل شيء مر بسلام.. كانت الأيام تشبه الأيام, لكنه ظل بين الحين والحين يزورني في أحلامي مع عائلته كثيرة العدد ويلتفون حول المركز ويلقون الرعب في قلبي ويتكرر ذلك كلما هددتني مشكلة من النوع المزعج الذي يحرم غيري النوم.
|
 |
 |
 |
|
 |
 |