44910‏عدد رقم2009‏,نوفمبر27

وداع ووعد بلقاء
بقلم إلهام شرشر

أين أنت منا يا رسول الله‏..‏ يا خير خلق الله‏..‏ يا خير البرية والأنام فعندما جئت إلي الدنيا كان معك القرآن لكي يسود به ومعه الحق والعدل والرحمة والوئام بين أبناء سيدنا أدم عليه السلام‏.‏

مهما أختلفت الأجناس واختلطت الأرحام وتبدلت معها الليالي ومرت الأيام‏..‏ حاولت قدر أستطاعتك أن تغسل النفوس من الغل والحقد وما خلقته عظائم الآلام لتنقذ بني آدم من دمار وهلاك الكثير من البشر اللئام‏..‏ جئت فتركت القرآن والسنة طوق النجاة من براثن العداة وقسوة الأيام‏..‏ فإذا كان هناك الكثيرون من أمتك من يعملون بهما إلا أن هناك أيضا القابعون يتشرسون ويتوحشون ويعيشون في غيابات الظلام لم تتطهر قلوبهم ولم تستنر عقولهم لتتسع صدورهم بتعاليم وسماحة وعظمة وطهارة الاسلام‏.‏ أدركنا يا رسول الله بشفاعتك فكم تحتاجها الدار الدنيا قبل الدار الآخرة‏..‏ يا شفيع من في الدارين

هلم يا رسول الله لتنقذنا مما يرتكبه الغزاة العتاة‏..‏ ها هو القدس داسوه بالأقدام ومن يدري ماذا يحمل القليل السريع القادم من الأيام؟‏..‏ انهم يحرقون الأخضرواليابس في كل مكان؟ كم نرتعد من ربك العزيز الجبار فلاحول لنا ولا قوة إلا به في حمل أمانه قدسه وحمايته‏..‏ بالأمس القريب حرقوة واليوم يقوضونه فمتي يأتي النصر الذي وعدت به في حياتك

فها هم الحفاة العراة الفجرة وقد تطاولوا علي أمتك وشخصك‏..‏ أوقعوا الفتنة بالحاقدين الهمجيين الحفاة العراة الغافلين عن دينك وكتاب ربك والعمل بسنتك واليوم الآخر‏.‏ ولم يبق الاصوت واحد لحكيم عاقل وكأنه وشعبه لذويه فقط الذين سيسألون يوم القيامة في زمن اغتيلت فيه الضمائر فعمت الابصار والبصائر وغلت الأيادي ومااقترفه في حق اوطانهم‏,‏ وعبارتنا كلما ضاقت علينا‏..‏ نرتمي في احضان القرآن الكريم ونتمرغ في السيرة النبوية العطرة فها هي وقفة عرفات وصيام الليالي التسع‏.‏

بسم الله الرحمن الرحيم‏..‏ واتقوا يوما ترجعون فيه الي الله ثم توفي كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون‏..‏ انها آخر آية نزلت في القرآن في حجة الوداع‏..‏ فوق جبل الوداع فوق جبل عرفة وتلتها سورة النصر‏..‏ إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستفره إن كان توابا‏..‏صدق الله العظيم‏.‏

ومن فوق جبل عرفات كان اللقاء ومنذ‏1420‏ عاما وقف مع رسول الله صلي الله علية وسلم للاحتفال بيوم الذبح العظيم وكان يحوطه‏10‏ ألآف صحابي وقد جهزوا له من الطعام كل مالذ وطاب علي الرغم من علمهم ببساطة طعامه الذي لم يتعد اللقيمات ولكنهم جهزوه معهم علي جبل عرفات‏.‏

بعد يوم عرفة المهيب يوم الاستشعار والتوحيد والتلبية حيث أعدوا التمر والماء والدجاج وكتف الشاه هذا الطعام الذي يحبه كما أكده الترمذي وآخرون‏..‏ جهزوا له من لحم الجمل والارنب وهذا ما دونه الشيخان ولم تخل قائمة الطعام من دواب البحر وهذا ما سجله مسلم والأهم من هذا كله أنهم لم ينسوا أن يزينوا مائدة الطعام بأحب الفاكهة اليه والعنب والبطيخ صلوات الله عليه وسلامه وقبيل صعوده الي عرفة سئل نبي الله الرسول الكريم عن الحج كل عام فقال لو قلت نعم لوجبت ولكنها لمن استطاع اليه سبيلا‏.‏

وفي صبيحة يوم عرفة صعد الحبيب المصطفي الغالي صلي الله عليه وسلم الي جبل عرفة‏..‏ ذلك الرجل العربي القوي الاقرب الي الطول منه إلي القصر بعيد المنكبين متسع الصدر عظيم الهامة شامخا منتصرا مستنير الوجه يميل الي الاستدارة وجهة شديد البياض المشرب بالحمرة مما كان يزيد من وسامته وشدة بهائه مقوس الحاجبين واسع الفم عيناه شديدتا السواد أشم الأنف أرنبتها الي الأعلي عنقه في صفاء الفضة ولحيته كثيفة معتدل بين السمنة والنحافة أشعر الذراعين والصدر جهيد الصوت حسن النغمة كانت ملابس الاحرام تتزين به وليس هي التي تزينه خاتم النبوة بين كتفيه مائل الي جهة اليسار التي هي جهة القلب علية بعض الشعيرات دائم البشر ضحوك السن اذا التفت التفت بجسمه كله ولا يلوي مجرد عنقة أي لا يسارق النظر كان هذا هو الحبيب الغالي ولأخر لحظة من حياته البالغة من العمر‏63‏ عاما كان رجلا كامل الرجولة والحسن والبهاء‏.‏

يوم عرفة التي صعد فيها الحبيب للمرة الأولي والأخيرة أيضا بعد‏4‏ عمرات وكانت ما أعظم مناسكها وهو يؤديها كي يشعر بالتواصل مع خليل الرحمن سيدنا إبراهيم عليه السلام وولده سيدنا إسماعيل نشوته وسعادته خاصة في سعيه في غدوه ورواحه بين الصفا والمروة وبكائة بحرقة ودعائه لأمته وهو يشرب من ماء زمزم أثناء تلك المناسك وحين كان يردد دعاءها عليه السلام فكم كان يجب أن يردد أدعيتهم خاصة حينما كان يدعو ربنا ابعث فيهم رسولا يتلو عليهم اياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم انك انت العزيز الحكيم فكم كان يبكي بحرقة أكبر ويقول أنا دعوة أبي إبراهيم وبشري أخي عيسي ورإت أمي حين وضعتني أنه قد خرج منها نورا أضيتت به كفور بصري الشام

وحين صعد التف حوله صحابته الكرام وأهله العظام ليخطب فيهم بصوته الذي حباه الله بقدرته سبحانه وتعالي لكي يصل ذلك الصوت الي كل هذا الحشد وكأنه كان يتكلم ويخاطب كلا منهم علي حده في أذنيه‏.‏ هذا ما شهد به عبدالله بن عمر بن الخطاب أثناء صعوده وحتي صعوده كان يردد ويقول وهم من ورائه جميعا يرددون لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد بيده الخير وهو علي كل شئ قدير وتارة أخري يردد كما جاء في حديث عبادة شهد الله أنه لا إله إلا هو ثم يقول أي رب وأنا أشهد فتحقيق كلمة التوحيد يوجب عتق الرقاب وعتق الرقاب يوجب العتق من النار يرددون خلف الحبيب المصطفي الغالي فرحين به وبربه إنه يوم عرفه الذي يقبل منه الدعاء ويرفع فيه البلاء ويجزل فيه العطاء وتتفتح فيه السماء يوم يباهي فيه برب العزة بين الملائكة ويقول انظروا إلي عبادي أتوني شعثا غبرا ضاحين من كل فج عميق أشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت لهم ولمن سيستغفرون لهم أفيضوا عبادي قد غفر لكم ذنوبكم فيزلون ولا ذنب عليهم وكم كانت رحمته سبحانه وتعالي حتي لمن لم يستطع اليه سبيلا بصيام الايام التسعة التي هي عنده أفضل أيام السنة‏.‏

ها هي نفحات رسول الله منذ صعوده الي جبل عرفات في حضرة ربه وقف يصرخ الي الدنيا في لحظة شهدت فيها عليه السموات والأرض وهو يقول اللهم هل قد بلغت اللهم فاشهد فبكي بعض أصحابه لانهم علموا ان هذا يعني قرب اجل رسول الله قد وقف يودع أمته والدنيا بإسرها وقد ملأ الدنيا رحمة وعدلا وحبا وودا وشفاعة فما عادي أحدا ولا أذي احد ولكن كان من شيمته العفو والرحمة وبصوت متقطع بالبكاء قال أيها الناس لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا حيث أكد في خطبته ضمن ما قاله بل فقد قال أول ما قال استوصوا بالنساء خيرا فياوليلاه علي الرجال غير البارين بأمهاتهم أوالذين لاتعرف المودة والرحمة طريقا لقلوبهم مع أزواجهم ثم أكد تحريم الربا حيث قال ألا إن كل ربا موضوع وأول ما أضع ربانا ربا العباس ابن عبدالمطلب فهو موضوع كله كان يناشد وينصح رغم أنه حبيب الرحمن ومنهاجه أمر الهي الا انه كان يوله بكل رحمة وود كان يريد ان يوصل الي امته كل ما يسعدهم يبلغهم وينهاهم عن كل مايغضبه وبكل الوسائل ثم أخذ صوته يعلو ويقول ألا فليبلغ الشاهد منك الغائب قال أتشهدون قالوا نعم قال اللهم فاشهد‏.‏

وكلنا معهم شهدنا ونشهد يا رسول الله ألا إنك قد أبلغت الرسالة وأديت الأمانه ولتظل بالنسبة لنا بكتاب ربك ملاذنا وبسنتك في اتباعها فما بلغته يخترق قلوبنا وترتعد أسماعنا وترتعش معه أصواتنا تتحجر منه دموعنا في أعيننا وتتلعثم ألسنتنا في دعائنا ملتمسين الرحمة منه عزوجل أن يسبل علينا تلك الرحمة بقبول شفاعتك لنا واستغفارك عنا وسط خطايا الدنيا ودناياها بين ويلات الاخرة وسعيرها لا نستطيع الدعاء مثلك يا رسول الله لن نصل في خلوتنا في حضرة ربك رب العزة كما في وصولك الي عنان السماء تخترقها حين كنت لا تزال تقف فوق الارض وهو هل يقبلنا ويقبل دعاءنا وصلاتنا واستغفارنا مثلك سوف نحتمي بالصلاة عليك نغلف بها أدعيتنا ولقاءاتنا معه عز وجل لتكون لنا السراج المنير العباءة التي ندخل فيها ليقبلنا عنده فقط لنري وجهه الكريم ونكون في صحبتك عند الحوض المكنون لنستظل بظله يوم لا ظل إلا ظله فلتدعوا لنا يا حبيبنا وشفيعنا الي يوم الدين ان نقترب من إيمانك العظيم ولو بالقليل منه كم نتمني ان نتذوق حلاوته كما كان في تلك الليلة التي رتل فيها القرآن في هجعته الكثير من الرجال والنساء والولدان وإذا بك تصلي في جوفها فكنت أشد الناس خشية وخوفا من الله

نعم لقد قام رسول الله فتوضأ ثم قام فصلي فبكي حتي سال دمعه علي صدره ثم رجع فبكي ثم سجد فبكي ثم رفع راسه فبكي فلم يزل كذلك حتي جاءه بلال يؤذن بالصلاة فقالت عائشة يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال أفلا أكون‏..‏ عبدا شكورا وقد أنزل الله عليك في تلك الليله‏:‏

إن في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار لآيات لاولي الالباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلي جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والارض‏..‏ ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار سورة ال عمران‏(190-191)‏

فهنيئا لمن حج البيت لبراءته من ذنوبه كيوم ولدته أمة وهنيئا لمن تذكر الله وذكره في الايام والليالي العشر فالمؤمن القائم بشروط الايمان لا يزداد بطول عمره إلاخيرا ومن كان كذلك فالحياة خير له من الموت

هذه هي الدنيا وفلسفتها الوجودية الحقيقية إذا اعتبرناها فلسفة ولكنها حقيقة وان كانت وهما وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون ليس فقط في رمضان وليس فقط في أيام ذي الحجة وليس فقط في الاشهر الحرم وليس فقط أيام الجمعه بل في كل ذلك بل وفيما بينها جميعا وهذا يعتبر التواصل المستمر مع خالق الكون وإلا فلا وياليتنا كنا نعرف تلك الأسرار منذ زمن فما أضعنا من أعمارنا بلهونا وإنشغالنا بفتنتها ولما أخذتنا أبدا مهما كان بريقها من تواصلنا مع الرحمن فكما يقول أبوالعتاهية للرشيد حين بني قصره واستدعي اليه ندماءه

عسي ما بدا لك سالما في ظل شاهقة القصور
يسعي عليك بما اشتهيت لدي الرواح وفي البكور
فإذا النفوس تقعقعت في ضيق حشرجة الصدور
فهناك تعلم موقنا ما كنت الا في غرور
ويظل الإيمان‏,‏ ويظل القرآن‏,‏ ويظل الإسلام دين القوة والحكمة والسلام‏.‏