44909‏عدد رقم2009‏,نوفمبر20

عـري
بقلم‏:‏ حمدي الجزار‏

...‏ومن باب أولي‏,‏ يا سيدي‏,‏ اسمح لي أحكي لك عن صغائري‏;‏ لعلك تجد فيها ما يرضي غرورك وتعاليك‏,‏ وقد ترتسم فوق وجهك النبيل تلك الابتسامة الجميلة‏,‏التي يواسي بها رجل كبير قوي الرجال الصغار من أمثالي‏.‏ أنا لا أهدف إلي تسليتك وإمتاعك فحسب‏,‏إن سمحت وقبلت يعني‏,‏بل أريدك أن تضحك أيضا‏,‏ وأنت تري كم أنت جميل ومحترم وعطوف‏,‏ وتملك القدرة علي التعاطف مع الحمقي والفقراء والعجزة‏.‏

ليلة أمس عدت إلي البيت وأنا أضرب أخماسا في أسداس‏,‏ لا أعرف كيف يضرب العرب علي أية حال‏,‏ ولكن هكذا كان حالي عقب ما حدث لي في شارع الجيش‏.‏ تصور أن شحطا طويلا عريضا رياضي القوام‏,‏ يرتدي بدلة شيك غالية ورابطة عنق وارد باريس‏,‏ وتفوح منه رائحة عطر خلاب‏,‏ استوقفك فجأة وأنت ماشي في الشارع سرحان ومطرق للأرض‏,‏ وأمسك بياقة قميصك بيمينه الغليظة‏,‏ وبسط كفه اليسري مفتوحة‏,‏ وأخذ يهز أصابعه الطويلة بأناقة‏,‏ وهو يردد بصوت غراب ناعق‏'‏ اطلع بالمعلوم يا حلو‏'.‏

ولأنني قصير ونحيف وطيب‏,‏وخاضع لقوة يده ونظرته المخيفة التي سلطها علي من عليائه‏,‏ فقد حاولت الاستعباط وحفظ كرامتي وبرستيجي‏.‏ أعرف أن جيوبي خاوية‏,‏ وأنها أنظف بكثير من الصيني بعد غسيله‏,‏ ومع ذلك دسست بهدوء يدي في جيبي بنطلوني الجانبيين‏,‏ ثم في الجيب الخلفي‏,‏ وأخرجت المحفظة وقلبت فيها‏,‏ دون شكوي من غلظة وثقل يده فوق كتفي‏.‏ وبعد استنطاع طويل مني وصمت وقور منه قلت‏,‏ وأنا أذوب خجلا‏,‏ بصوت خفيض‏'‏ والله مامعيش دلوقتي‏'.‏ لم يرمش له جفن‏,‏ ولم تترك يده ياقة قميصي‏,‏ وظل يحدق في بوجه جامد‏,‏ أما أنا‏..‏ آه‏..‏أنا لم أخف منه والله العظيم‏

فقط أسلمت نفسي لإحساس بالعجز‏,‏ وقلة الحيلة تنتابني حين لا أكون قادرا علي تقديم المساعدة للآخرين‏!‏ أنا رجل معطاء‏,‏ أستمتع جدا بأن أعطي‏,‏ ويزداد استمتاعي حتي يصل إلي درجة الأورجازم‏,‏ وأنا أري الآخر مبتهجا وسعيدا بما منحته إياه‏,‏ لهذا يسبب لي العجز طامة كبري‏;‏ لأنه ينقص من استمتاعي الذاتي‏,‏ ويمحو قدرتي علي العطاء‏!‏ يا أخي الواحد‏,‏ في مثل هذه المواقف‏,‏ يشعر بأنه صحراء ليس فيها واحة‏,‏ أرض بور‏,‏ أو صفيحة زبالة‏,‏ لا مؤاخذة‏.‏

حين حدق في هذا الغندور وظهر علي وجهه السخط أحسست بالقهر‏,‏ وقلت له‏'‏ أنا آسف‏',‏ وطلبت منه أن يسامحني‏.‏ ترك ياقة قميصي‏,‏ وابتسم تلك الابتسامة الرائعة التي تصدر عن أولئك الذين يشفقون علي فقر الآخرين وضعفهم وعاهاتهم‏,‏ الابتسامة المجيدة التي تشي بالقوة والنفوذ والسلطة‏,‏ وبالكثير من الاحتقار‏.‏ الرجل‏-‏الحمد لله‏-‏ اطمأن إلي ضآلة شأني‏,‏ واستسلامي لكن عينيه ومضت ببريق مفاجئ‏,‏ وقال ضاحكا كلمتين‏,‏ عيب جدا أن أنطقهما بشفتي‏,‏ لذلك سأضعهما علي لسانه هو‏..‏أو الأحسن‏,‏ أضع مكان الكلمة العيب نقط‏.‏قال‏'‏ قول أنا‏...‏ أو‏...'!‏ قلت له‏'‏عيب والله‏..‏عيب جدا‏,‏ أنا رجل صعيدي‏'.‏

نزلت يداه إلي بنطلوني يحاول أن يشده لأسفل وهو يضحك‏.‏يبدو أنه كان يريد أن يتأكد من أنه وصفني بدقة‏.‏ أنا فقدت عقلي مع نزول حجر البنطلون لأسفل وارتفاع قهقهات الرجل‏,‏ وصرخت بأن الشعب لن يتعري أكثر من ذلك‏,‏ وانتابتني الهيستيريا‏,‏ وأنا أردد‏'‏ مش هنقلع ملط أبدا‏..‏أبدا‏' عدل كرافتته الشيك الغالية‏,‏ ومشي‏-‏ في‏'‏ ستين داهية‏'-‏ بعد أن تسلي وضحك كثيرا وطويلا‏.‏