 |
 |

عـري بقلم: حمدي الجزار
...ومن باب أولي, يا سيدي, اسمح لي أحكي لك عن صغائري; لعلك تجد فيها ما يرضي غرورك وتعاليك, وقد ترتسم فوق وجهك النبيل تلك الابتسامة الجميلة,التي يواسي بها رجل كبير قوي الرجال الصغار من أمثالي. أنا لا أهدف إلي تسليتك وإمتاعك فحسب,إن سمحت وقبلت يعني,بل أريدك أن تضحك أيضا, وأنت تري كم أنت جميل ومحترم وعطوف, وتملك القدرة علي التعاطف مع الحمقي والفقراء والعجزة.
ليلة أمس عدت إلي البيت وأنا أضرب أخماسا في أسداس, لا أعرف كيف يضرب العرب علي أية حال, ولكن هكذا كان حالي عقب ما حدث لي في شارع الجيش. تصور أن شحطا طويلا عريضا رياضي القوام, يرتدي بدلة شيك غالية ورابطة عنق وارد باريس, وتفوح منه رائحة عطر خلاب, استوقفك فجأة وأنت ماشي في الشارع سرحان ومطرق للأرض, وأمسك بياقة قميصك بيمينه الغليظة, وبسط كفه اليسري مفتوحة, وأخذ يهز أصابعه الطويلة بأناقة, وهو يردد بصوت غراب ناعق' اطلع بالمعلوم يا حلو'.
ولأنني قصير ونحيف وطيب,وخاضع لقوة يده ونظرته المخيفة التي سلطها علي من عليائه, فقد حاولت الاستعباط وحفظ كرامتي وبرستيجي. أعرف أن جيوبي خاوية, وأنها أنظف بكثير من الصيني بعد غسيله, ومع ذلك دسست بهدوء يدي في جيبي بنطلوني الجانبيين, ثم في الجيب الخلفي, وأخرجت المحفظة وقلبت فيها, دون شكوي من غلظة وثقل يده فوق كتفي. وبعد استنطاع طويل مني وصمت وقور منه قلت, وأنا أذوب خجلا, بصوت خفيض' والله مامعيش دلوقتي'. لم يرمش له جفن, ولم تترك يده ياقة قميصي, وظل يحدق في بوجه جامد, أما أنا.. آه..أنا لم أخف منه والله العظيم
فقط أسلمت نفسي لإحساس بالعجز, وقلة الحيلة تنتابني حين لا أكون قادرا علي تقديم المساعدة للآخرين! أنا رجل معطاء, أستمتع جدا بأن أعطي, ويزداد استمتاعي حتي يصل إلي درجة الأورجازم, وأنا أري الآخر مبتهجا وسعيدا بما منحته إياه, لهذا يسبب لي العجز طامة كبري; لأنه ينقص من استمتاعي الذاتي, ويمحو قدرتي علي العطاء! يا أخي الواحد, في مثل هذه المواقف, يشعر بأنه صحراء ليس فيها واحة, أرض بور, أو صفيحة زبالة, لا مؤاخذة.
حين حدق في هذا الغندور وظهر علي وجهه السخط أحسست بالقهر, وقلت له' أنا آسف', وطلبت منه أن يسامحني. ترك ياقة قميصي, وابتسم تلك الابتسامة الرائعة التي تصدر عن أولئك الذين يشفقون علي فقر الآخرين وضعفهم وعاهاتهم, الابتسامة المجيدة التي تشي بالقوة والنفوذ والسلطة, وبالكثير من الاحتقار. الرجل-الحمد لله- اطمأن إلي ضآلة شأني, واستسلامي لكن عينيه ومضت ببريق مفاجئ, وقال ضاحكا كلمتين, عيب جدا أن أنطقهما بشفتي, لذلك سأضعهما علي لسانه هو..أو الأحسن, أضع مكان الكلمة العيب نقط.قال' قول أنا... أو...'! قلت له'عيب والله..عيب جدا, أنا رجل صعيدي'.
نزلت يداه إلي بنطلوني يحاول أن يشده لأسفل وهو يضحك.يبدو أنه كان يريد أن يتأكد من أنه وصفني بدقة. أنا فقدت عقلي مع نزول حجر البنطلون لأسفل وارتفاع قهقهات الرجل, وصرخت بأن الشعب لن يتعري أكثر من ذلك, وانتابتني الهيستيريا, وأنا أردد' مش هنقلع ملط أبدا..أبدا' عدل كرافتته الشيك الغالية, ومشي- في' ستين داهية'- بعد أن تسلي وضحك كثيرا وطويلا.
|
 |
 |
 |
|
 |
 |